بين الحكومة والسلطة الميدانية.. من يسيطر فعليًا على سجون جنوب اليمن؟

بين الحكومة والسلطة الميدانية.. من يسيطر فعليًا على سجون جنوب اليمن؟

بين الحكومة والسلطة الميدانية.. من يسيطر فعليًا على سجون جنوب اليمن؟
سجون اليمن

في الحروب الممتدة، لا تكون الجبهات وحدها ساحة المواجهة، بل تمتد المعركة إلى ما وراء الأسوار المغلقة حيث تُختبر سلطة القانون ووجود الدولة، هذا ما تعكسه التطورات الأخيرة في جنوب غرب اليمن، بعدما مُنع فريق تحقيق مدعوم أمميًا من دخول مرافق احتجاز خاضعة لسيطرة قوات عسكرية مرتبطة بحزب الإصلاح، المحسوب على جماعة الإخوان. الحادثة أعادت فتح واحد من أكثر ملفات النزاع اليمني حساسية، السجون غير القانونية والإخفاء القسري.

فبين مديريتي طور الباحة والشمايتين، تتراكم روايات عائلات تبحث منذ سنوات عن مصير أبنائها، بينما تحاول السلطات الرسمية إثبات قدرتها على فرض النظام في مناطق تصنف محررة، منع الزيارة لم يُقرأ كإجراء ميداني عابر، بل كإشارة سياسية وأمنية معقدة تكشف حجم التشابك بين السلطة العسكرية المحلية، والمؤسسات الحكومية، وآليات العدالة الانتقالية المدعومة دوليًا.

انتهاكات مستمرة


أعلنت آلية تحقيق يمنية مدعومة من الأمم المتحدة، أن فريقها مُنع من تفتيش سجون تقع تحت سيطرة تشكيل عسكري يتبع قوات مرتبطة بحزب الإصلاح في جنوب غرب البلاد، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا حول واقع منظومة العدالة وحقوق الإنسان داخل المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين.

ووفق إفادات رسمية، كان فريق اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان يستعد لزيارة مواقع احتجاز في مديريتي طور الباحة والشمايتين، للتحقق من شكاوى تتعلق باعتقال وإخفاء عشرات المدنيين، غير أن قائدًا عسكريًا بارزًا في اللواء الرابع مشاة جبلي رفض السماح بالدخول، رغم صدور توجيهات من رئاسة هيئة الأركان بالتعاون الكامل مع لجنة التحقيق.

إزدواج السلطة


الواقعة لا تقف عند حدود منع زيارة إجرائية فهي تكشف إشكالية أعمق تتعلق بازدواج السلطة داخل المناطق المصنفة حكوميًا محررة، فمن الناحية النظرية، تخضع هذه المناطق لسلطة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، لكن الواقع الميداني يظهر وجود قوى عسكرية محلية تتمتع باستقلال واسع في القرار الأمني والإداري، وهو ما يخلق فراغًا قانونيًا يسمح بظهور سجون خارج المنظومة القضائية الرسمية.


عرقلة مباشرة لآليات المساءلة


التقارير الحقوقية تتحدث عن احتجاز ما لا يقل عن 42 شخصًا، بعضهم اختفى منذ أكثر من ثلاث سنوات دون محاكمة أو اتصال منتظم بعائلاتهم. هذا النمط من الاحتجاز يندرج قانونيًا ضمن الإخفاء القسري، وهو من أخطر الانتهاكات في القانون الدولي الإنساني، لأنه يجمع بين الاعتقال التعسفي وحرمان المحتجز من الحماية القانونية.

اللافت، أن السجون المشار إليها ليست مواقع عسكرية سرية بالمعنى التقليدي، بل منشآت معروفة محليًا، منها مبانٍ أمنية ومرافق شرطية سابقة أعيد توظيفها كمراكز احتجاز مغلقة هذا التحول من مؤسسة عامة إلى مركز احتجاز غير خاضع للقضاء يعكس مسارًا شهدته عدة مناطق نزاع، حيث تتحول البنية الأمنية من نظام قانوني مركزي إلى شبكات نفوذ محلية، اللجنة الوطنية للتحقيق، التي تأسست عام 2016 بدعم أممي، وثّقت خلال عملها عشرات آلاف الانتهاكات المرتبطة بمختلف أطراف النزاع، ما يجعلها إحدى أهم أدوات التوثيق التي يعتمد عليها المجتمع الدولي في رسم صورة الوضع الحقوقي في اليمن، ولذلك فإن منعها من الوصول إلى مواقع الاحتجاز يُنظر إليه على أنه عرقلة مباشرة لآليات المساءلة، وقد ينعكس على تقييم المجتمع الدولي لأداء السلطات المحلية.

موقف حرج


من الناحية السياسية، تضع الحادثة الحكومة اليمنية في موقف حرج، فهي مطالبة بإثبات قدرتها على فرض سيادة القانون في المناطق الخاضعة لها، خصوصًا في ظل سعيها لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية، فملف السجون غير القانونية يرتبط مباشرة بشرعية السلطة، لأن احتكار استخدام القوة هو جوهر الدولة الحديثة، وأي سلطة موازية تدير الاعتقال خارج القضاء تقوض هذا الاحتكار.

أما اجتماعيًا، فالقضية تحمل آثارًا بعيدة المدى. في المجتمعات القبلية، يشكل الاحتجاز دون محاكمة مصدر توتر دائم قد يتحول إلى نزاعات ثأرية، ما يعني أن المسألة لا تتعلق بحقوق فردية فقط بل باستقرار أمني طويل الأمد. فغياب الشفافية حول مصير المعتقلين يخلق بيئة خصبة للشائعات والتعبئة المسلحة.

إقليميًا، يثير الملف قلقًا إضافيًا، لأن استمرار تعدد مراكز الاحتجاز خارج إشراف الدولة قد يحول بعض المناطق إلى فضاءات أمنية رخوة يمكن استغلالها من قبل جماعات متطرفة أو شبكات تهريب، فكل فراغ قانوني في بلد يعيش حربًا مفتوحة يصبح عامل جذب للفاعلين غير النظاميين.

لهذا تؤكد الجهات الحقوقية، أن إغلاق السجون غير القانونية يمثل خطوة أساسية في أي مسار تسوية سياسية مستقبلية. فالاتفاقات لا تصمد طويلًا إذا بقيت منظومات الاحتجاز خارج إطار القضاء، إذ يتحول المعتقلون إلى قنابل مؤجلة تنفجر عند أول توتر سياسي.