من ساحات الحرب إلى غرف القرار.. علي شمخاني الجنرال الذي لا يختفي
من ساحات الحرب إلى غرف القرار.. علي شمخاني الجنرال الذي لا يختفي
في الأنظمة السياسية المغلقة نسبيًا، لا تُقاس أهمية الشخصيات بعدد مناصبها بقدر ما تُقاس بقدرتها على البقاء داخل الدائرة الضيقة للقرار عبر العقود، علي شمخاني يمثل نموذجًا واضحًا لهذه القاعدة في إيران؛ قائد عسكري، ووزير دفاع، ومهندس تفاهمات إقليمية، ثم مستشار للمرشد، والآن أمين لمجلس الدفاع المستحدث.
عودته الأخيرة لا ترتبط بمنصب إداري جديد فقط، بل بسياق أوسع، إعادة تشكيل بنية الردع الإيرانية بعد مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فالجنرال الذي انتشرت أنباء مقتله خلال الحرب عاد ليظهر بالبزة العسكرية، في مشهد يحمل دلالات رمزية وسياسية تتجاوز شخصه إلى طبيعة النظام ذاته، الذي يميل إلى استدعاء رجاله الأكثر خبرة في لحظات التحول، قصة شمخاني ليست سيرة ضابط تقليدي، بل مسار رجل تنقل بين الحرب والسياسة والاستخبارات، وظل ثابتًا في نقطة واحدة، قلب معادلة الأمن القومي الإيراني.
عودة شمخاني
يشكل تعيين الأدميرال علي شمخاني أمينًا لمجلس الدفاع الإيراني محطة جديدة في مسيرة أحد أكثر رجال المؤسسة الأمنية رسوخًا داخل النظام، القرار جاء في مرحلة حساسة أعقبت المواجهة العسكرية المباشرة في يونيو 2025، حين دخلت إيران في اشتباك قصير لكنه بالغ التأثير مع إسرائيل والولايات المتحدة، ما دفع طهران إلى إعادة تنظيم هيكل اتخاذ القرار الدفاعي.
المجلس الجديد، الذي أُنشئ بعد الحرب، يهدف إلى توحيد مراكز التخطيط بين الجيش والحرس الثوري والمؤسسات الأمنية، وهو هدف يرتبط مباشرة بخبرة شمخاني الاستثنائية في الجمع بين هذه المؤسسات المتوازية تاريخيًا، فالرجل يُعد من القلائل الذين عملوا داخل جميع هذه الهياكل دون أن يُنظر إليه كطرف في صراعها الداخلي.
الميلاد والنشأة
وُلد شمخاني عام 1955 في الأهواز لعائلة عربية من خوزستان، وهي خلفية منحت حضوره بعدًا خاصًا داخل النظام الإيراني، خصوصًا في منطقة حدودية شهدت الحرب العراقية الإيرانية أعنف معاركها قبل الثورة شارك في العمل السري ضد نظام الشاه، وأسهم في تأسيس تنظيم مسلح أصبح لاحقًا أحد اللبنات الأولى للحرس الثوري.
بعد عام 1979 برز سريعًا كقائد ميداني، وتولى قيادة الحرس في خوزستان، ثم أصبح نائباً للقائد العام خلال الحرب في تلك الفترة اكتسب سمعته كقائد صريح بعد رسالة شهيرة طالب فيها القيادة بتحسين التجهيزات العسكرية، ما رسخ صورته داخل المؤسسة بوصفه ضابطاً عمليًا لا دعائيًا.
التحول الأبرز في مسيرته جاء بعد الحرب عندما انتقل إلى الجيش النظامي، ثم قاد القوات البحرية للجيش والحرس الثوري في آن واحد هذا الجمع النادر بين المؤسستين عزز مكانته كحلقة وصل بين جناحين غالبًا ما تنافسا على النفوذ داخل إيران، وأعطاه دورًا دائمًا في إدارة التوازنات الداخلية.
رجل الدولة الأمني
سياسياً، تولى وزارة الدفاع في عهد الرئيس محمد خاتمي، وهي مرحلة حاولت فيها طهران تقديم صورة أكثر انفتاحًا للخارج دون التخلي عن بنية الردع، لاحقًا خاض الانتخابات الرئاسية عام 2001، لكنه بقي أقرب إلى رجل الدولة الأمني منه إلى السياسي الجماهيري.
عام 2013 أصبح أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، وهو المنصب الذي مثّل ذروة نفوذه، خلال عقد كامل تعامل مع ملفات معقدة الاحتجاجات الداخلية، الأزمات الإقليمية، والعلاقات مع الخليج، وكان أبرز إنجازاته المشاركة في التمهيد لاستئناف العلاقات مع السعودية عام 2023، ما أظهر قدرته على العمل الدبلوماسي بقدر العمل العسكري.
ثراء يثير الجدل
لكن مسيرته لم تخلُ من الجدل فقد واجه انتقادات داخلية بسبب نشاطات اقتصادية لعائلته، خصوصًا بعد انتشار صور زفاف فخم لابنته، ما أثار نقاشاً داخل إيران حول التباين بين الخطاب الثوري ونمط حياة بعض المسؤولين. لم يعلّق مباشرة على القضية، لكن المقربين منه اعتبروها جزءًا من صراع سياسي داخلي.
خلال حرب 2025 تصدر اسمه المشهد مجددًا بعد تقارير عن مقتله في ضربة إسرائيلية. غير أنه نفى ذلك برسالة أعلن فيها أنه ما زال على قيد الحياة ومستعداً للتضحية، لتتحول الواقعة إلى عنصر رمزي يعزز صورته كأحد رجال المرحلة الصلبة في النظام.
اليوم، مع توليه أمانة مجلس الدفاع، يعود شمخاني إلى موقع يختلف عن مناصبه السابقة. فالمجلس ليس جهازًا تنفيذيًا بقدر ما هو غرفة تنسيق استراتيجية عليا، ما يعني أن دوره سيكون أقرب إلى مهندس السياسات الدفاعية منه إلى مدير العمليات اختيار شخصية ذات خبرة عسكرية ودبلوماسية يعكس رغبة طهران في إدارة المواجهة القادمة بمزيج من الردع والتفاوض.
تكشف مسيرة شمخاني عن نمط متكرر في بنية الحكم الإيرانية الاعتماد على الشخصيات التي تملك ذاكرة الحرب وخبرة الدولة في آن واحد، فهو ليس من الجيل الثوري الشاب ولا من التكنوقراط المدنيين، بل من “حرس التأسيس” الذين شاركوا في بناء النظام ثم انتقلوا إلى إدارة أزماته.
وبين إشاعات مقتله وعودته إلى أعلى موقع دفاعي، تبدو قصة الرجل انعكاساً لطبيعة النظام نفسه: قادر على التكيف دون تغيير جذري في نخبة القرار فشمخاني لم يغادر المشهد قط، بل انتقل من موقع إلى آخر بحسب متطلبات المرحلة، ليبقى دائماً ضمن الدائرة التي تُصاغ فيها سياسات الحرب والسلام في طهران.

العرب مباشر
الكلمات