بين منطق الإصلاح ووجع المعيشة.. فاتورة الكهرباء تشعل جدلًا واسعًا في سوريا

بين منطق الإصلاح ووجع المعيشة.. فاتورة الكهرباء تشعل جدلًا واسعًا في سوريا

بين منطق الإصلاح ووجع المعيشة.. فاتورة الكهرباء تشعل جدلًا واسعًا في سوريا
سوريا

لم تكن فاتورة الكهرباء الأخيرة مجرد ورقة حسابية وصلت إلى منازل السوريين، بل تحوّلت سريعًا إلى اختبار اجتماعي واقتصادي واسع، كشف عمق الفجوة بين خطاب الإصلاح الرسمي وواقع القدرة المعيشية، مع صدور الدورة السادسة والأخيرة من فواتير عام 2025 وفق التعرفة الجديدة، وجد آلاف المواطنين أنفسهم أمام أرقام غير مسبوقة، أعادت طرح أسئلة قديمة بصيغة أكثر إلحاحًا، كيف يمكن لمجتمع يعيش على دخول محدودة أن يتكيّف مع أسعار تقترب من الكلفة الحقيقية، وهل يمكن لإصلاح قطاع منهك كالكهرباء أن ينجح دون مظلة حماية اجتماعية.

بين من رأى في القرار خطوة لا بدّ منها لإنقاذ قطاع الطاقة من الانهيار، ومن اعتبره عبئًا إضافيًا في سلسلة أزمات لا تنتهي، بدا المشهد السوري منقسمًا، لكن متفقًا على حقيقة واحدة، فاتورة الكهرباء لم تعد مسألة خدمية، بل باتت عنوانًا مكثفًا للأزمة الاقتصادية برمتها.

تسعيرة صادمة


أصدرت مديرية كهرباء دمشق، الأسبوع الماضي، أول فواتير الكهرباء وفق التسعيرة الجديدة التي أقرتها وزارة الطاقة ضمن ما وصفته بخطة إصلاح قطاع الكهرباء وتحقيق الاستدامة المالية.

 هذه الفواتير شملت استهلاك شهري نوفمبر وديسمبر، وشكّلت أول احتكاك مباشر للمواطنين مع التعرفة المعدّلة التي طال الحديث عنها منذ الإعلان الرسمي في نهاية تشرين الأول الماضي.

التسعيرة الجديدة، بحسب مصادر في وزارة الطاقة، تقوم على شريحتين أساسيتين للاستهلاك المنزلي، الأولى تشمل الاستهلاك حتى 300 كيلوواط/ساعة بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط، وهي شريحة مدعومة جزئيًا، أما الشريحة الثانية، التي تتجاوز هذا الحد، فتم تسعيرها بـ1400 ليرة للكيلوواط/ساعة، وهو رقم يقترب من الكلفة الحقيقية لإنتاج الكهرباء وفق التوليد التقليدي.

رد رسمي


وتؤكد الوزارة، أن الكلفة الفعلية لإنتاج الكيلوواط الواحد تصل إلى نحو 1500 ليرة، ما يعني أن الدولة ما زالت تتحمل دعمًا يقارب 60% للشريحة الأولى.

 كما تشير البيانات الرسمية إلى أن متوسط التغذية الكهربائية اليومية يقترب من ثماني ساعات، مع تحسن نسبي يعود إلى زيادة الإنتاج والحد من التعديات على الشبكة.

هل الأرقام منطقية؟


غير أن هذه الأرقام، التي تبدو منطقية في حسابات الاقتصاد الكلي، اصطدمت مباشرة بواقع معيشة قاسٍ، فمع صدور الفواتير، تحدّث مواطنون عن قفزات صادمة في القيم المستحقة، وصلت في بعض الحالات إلى عشرات الأضعاف مقارنة بالفترات السابقة، هذا الارتفاع لم يُقابل بزيادة موازية في الدخل، ما جعل الفاتورة عبئًا إضافيًا في سلة نفقات تعج أصلًا بالغذاء والدواء والإيجارات.

هدى عيّاد، وهي موظفة وأم لأسرة، عبّرت عن شعور يتكرر على ألسنة كثيرين، حين قالت إن ترتيب الأولويات لم يعد يحتمل أي نقاش: الطعام والدواء قبل أي شيء، والكهرباء لم تعد في متناولنا.

هذا الموقف يعكس تحوّل الكهرباء من خدمة أساسية مدعومة إلى كلفة تُنافس أساسيات الحياة اليومية.

أما حسن إبراهيم، وهو موظف حكومي، فقد فوجئ بفاتورة قاربت 750 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل راتبه الشهري تقريبًا، يؤكد أن استهلاكه محدود ولا يشمل أجهزة تكييف أو تدفئة كهربائية، ومع ذلك يجد نفسه عاجزًا عن السداد، متسائلًا عن دقة الفوترة في ظل غياب عدادات حديثة تضمن الشفافية.

في المقابل، لا يخلو المشهد من أصوات ترى في القرار خطوة مؤلمة لكنها ضرورية، عبيدة عامر، وهو صاحب عمل صغير، يعتبر أن الدعم السابق غير المنضبط ساهم في هدر الموارد وتعميق العجز المالي، وأن الاستمرار في تسعيرة شبه مجانية كان يعني انهيار القطاع بالكامل، من وجهة نظره، فإن ترشيد الاستهلاك، إلى جانب إدخال العدادات الذكية وتحسين الجباية، قد يفتح الباب أمام تحسين تدريجي للخدمة.

انتهى زمن الكهرباء المجانية

الخطاب الرسمي يذهب في الاتجاه ذاته، ففي تصريحات أخيرة، أشار وزير الطاقة محمد البشير إلى أن نمط الاستهلاك في سوريا تشكّل على أساس كهرباء شبه مجانية، ما دفع المواطنين إلى استخدامها في الطبخ والتدفئة والتبريد بدل المازوت، الأمر الذي فاقم العجز.

ولفت إلى أن حتى تشغيل كامل محطات التوليد المتاحة لن يؤدي إلا إلى تحسن محدود في ساعات التغذية، طالما بقي الاستهلاك مرتفعًا.

بحسب الوزارة، بلغت خسائر دعم الكهرباء خلال السنوات الماضية نحو ملياري دولار، وهو رقم تستخدمه الحكومة لتبرير التحول نحو تسعيرة أقرب إلى الواقع.

إلا أن هذا التبرير لا يبدد مخاوف شريحة واسعة من السوريين، ترى أن جوهر المشكلة لا يكمن فقط في سعر الكيلوواط، بل في الفجوة العميقة بين هذا السعر ومستوى الدخل الحقيقي.