رجل طاردته بنغازي حتى واشنطن.. من هو زبير البكوش؟

رجل طاردته بنغازي حتى واشنطن.. من هو زبير البكوش؟

رجل طاردته بنغازي حتى واشنطن.. من هو زبير البكوش؟
زبير البكوش

في لحظة هبوط الطائرة العسكرية في ولاية فرجينيا، لم يكن المشهد مجرد نقل معتقل إلى محكمة، بل عبور متأخر لفصل طويل من فوضى ليبيا إلى مؤسسات الدولة الأمريكية، خرج زبير البكوش مقيد اليدين، يرتجف، محاطًا بحراس يحاولون تثبيت خطواته، الصورة بدت أقرب إلى نهاية مسار منه إلى بدايته، رجل خرج من ظل الجماعات المسلحة في بنغازي قبل أكثر من عقد، ليجد نفسه اليوم داخل نظام قضائي يقرأ الأحداث لا كوقائع حرب أهلية، بل كقضية قتل وإرهاب عابرة للحدود، هكذا يتحول اسم كان جزءًا من أرشيف الميليشيات إلى ملف جنائي دولي مفتوح.

الثورة بوابة التشدد

وُلدت شخصية زبير البكوش السياسية داخل اللحظة الأكثر اضطرابًا في التاريخ الليبي الحديث انهيار الدولة عام 2011، في شرق البلاد، حيث تداخلت الثورة مع الفراغ الأمني، ظهرت عشرات الكتائب المسلحة التي رأت نفسها حامية للمدينة، ثم سلطة فوقها، لم يكن البكوش استثناءً؛ فقد صعد في بيئة جعلت السلاح أسرع طريق إلى النفوذ.

مع تفكك مؤسسات الأمن، تحولت بنغازي إلى مختبر مفتوح للأفكار الجهادية والتنظيمات السلفية القتالية، في تلك المرحلة، انخرط البكوش في تنظيم أنصار الشريعة، أحد أبرز التنظيمات التي ملأت الفراغ بين الثورة والدولة.

لم يكن التنظيم مجرد جماعة مسلحة، بل مشروع سلطة موازية دوريات، نقاط تفتيش، ومحاكم شرعية أقيمت خارج النظام القضائي الرسمي.

وتشير تقارير محلية إلى أن البكوش لعب دورًا في تلك البنية القضائية البديلة، حيث رأت الجماعات المتشددة نفسها امتدادًا للشرعية الدينية لا تمردًا عليها. هنا بدأت ملامح التحول من مقاتل في سياق ثوري إلى جزء من منظومة أيديولوجية تعتبر الدولة الحديثة كيانًا مؤقتًا يمكن تجاوزه.

هذا التحول يعكس ظاهرة أوسع في ليبيا ما بعد القذافي كثير من الفاعلين لم يروا أنفسهم خارجين على القانون، لأن القانون نفسه لم يكن قائمًا وفي هذا الفراغ تحديدًا، نشأت الشخصيات التي ستصبح لاحقًا محور اتهامات الإرهاب الدولية.

لحظة التحول إلى ملف دولي

ليلة الهجوم على القنصلية الأمريكية في سبتمبر 2012 لم تكن مجرد حادث أمني؛ كانت نقطة انعطاف نقلت الفوضى الليبية إلى مركز السياسة العالمية، مقتل السفير كريستوفر ستيفنز وثلاثة أمريكيين آخرين وضع المدينة تحت مجهر واشنطن، وفتح تحقيقًا استمر سنوات.

اسم زبير البكوش ظهر داخل شبكة الاتهامات المرتبطة بـ مجلس شورى بنغازي، وهو تحالف فصائل متشددة نشأ لاحقًا من بقايا الجماعات الجهادية في المدينة.

الاتهامات الأمريكية لا تكتفي باعتباره عنصرًا محليًا شارك في حدث فوضوي، بل تصفه كطرف في هجوم منظم، قتل، إرهاب، وحرق متعمد.

هذه النقطة تحديدًا هي ما يحول القضية من شأن ليبي داخلي إلى ملف قضائي عابر للحدود. ففي السياق المحلي، جرى تفسير الهجوم كأحد تداعيات الانهيار الأمني أما في القانون الأمريكي، فهو اعتداء على بعثة دبلوماسية وسيادة دولة.

سنوات طويلة ظل البكوش خلالها جزءًا من المشهد غير الواضح لا مختفيًا تمامًا ولا حاضرًا علنًا ومع تغير موازين القوى في شرق ليبيا وتراجع نفوذ التنظيمات المتشددة، بدأت أسماء قديمة تطفو مجددًا في قوائم المطلوبين.

اعتقاله في المنطقة الغربية – وفق تقارير ليبية – ثم نقله بطائرة عسكرية إلى الولايات المتحدة، أنهى مرحلة الغموض وبدأ مرحلة المحاكمة.

من الميدان إلى المحكمة

وصول البكوش إلى واشنطن يحمل دلالة تتجاوز شخصه، الولايات المتحدة لا تحاكمه كمقاتل في حرب أهلية، بل كمتهم بارتكاب جريمة ضد مواطنيها، هذا الفارق يعكس اختلاف تعريف العنف بين ساحتين، ليبيا التي عاشت صراع شرعيات، وأمريكا التي ترى حادثة محددة في إطار جنائي صارم.

تصريحات وزارة العدل الأمريكية شددت على أنه سيواجه أقصى العقوبات، في رسالة سياسية بقدر ما هي قانونية، الجرائم ضد المصالح الأمريكية لا تسقط بالتقادم.

وهكذا يصبح البكوش جزءًا من نمط أوسع، حيث تحاول واشنطن إغلاق ملفات الهجمات على بعثاتها مهما طال الزمن.
اليوم يقف البكوش أمام مستقبل مختلف تمامًا عن المسار الذي بدأه بعد الثورة، فالرجل الذي تحرك في فضاء بلا دولة، أصبح داخل أكثر الدول اعتمادًا على القانون والإجراءات القضائية، بين بنغازي وفرجينيا لا توجد مجرد رحلة طيران طويلة، بل انتقال من منطق الميدان إلى منطق الأدلة.