ترامب يلوّح بالعصا الغليظة.. واشنطن تضع إيران تحت الإنذار مع اتساع رقعة الغضب الشعبي
ترامب يلوّح بالعصا الغليظة.. واشنطن تضع إيران تحت الإنذار مع اتساع رقعة الغضب الشعبي
على وقع هتافات الغضب وقرقعة القنابل المسيلة للدموع، تعود إيران إلى واجهة المشهد الدولي بوصفها بؤرة توتر مفتوحة على احتمالات متعددة، الاحتجاجات التي بدأت على خلفية تدهور الأوضاع المعيشية لم تعد شأنًا داخليًا صرفًا، بل تحولت سريعًا إلى ملف دولي ثقيل، بعد أن دخلت الولايات المتحدة على الخط بلهجة تهديد غير مسبوقة، الرئيس الأميركي دونالد ترامب أطلق تحذيرًا مباشرًا من أن بلاده لن تقف مكتوفة الأيدي إذا استمر سقوط القتلى في الشوارع الإيرانية، في رسالة حملت في طياتها تذكيرًا صريحًا بسجل طويل من الصدام بين واشنطن وطهران، وبينما تحاول السلطات الإيرانية احتواء الغضب بإجراءات اقتصادية محدودة وخطاب مزدوج يجمع بين التهدئة والوعيد، تتسع رقعة الاحتجاجات جغرافيًا، وتتعقد حسابات الداخل والخارج، في لحظة سياسية تبدو أقرب إلى السير فوق حافة الهاوية.
إنذار أميركي بلهجة صدامية
من على متن الطائرة الرئاسية، أطلق الرئيس الأميركي تحذيرًا صريحًا لطهران، قائلاً: إن بلاده تتابع التطورات “عن كثب”، وإن أي تصعيد دموي ضد المتظاهرين سيقابل بـ“ضربة قوية جدًا”. الرسالة لم تكن مجرد تصريح عابر، بل جاءت محمّلة بإيحاءات سياسية وأمنية تعكس استعداد واشنطن لاستخدام لغة القوة، خصوصًا في ظل سوابق التدخل الأميركي التي لا تغيب عن ذاكرة الإيرانيين.
هذا التهديد أعاد إلى الأذهان خطاب “الخطوط الحمراء” الذي لطالما استخدمته الإدارات الأميركية المتعاقبة في التعامل مع خصومها، لكنه في الوقت ذاته وضع الإدارة الأميركية أمام اختبار دقيق: كيف توازن بين دعمها المعلن لحقوق الإنسان، ورغبتها في تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في منطقة ملتهبة أصلاً؟
شوارع مشتعلة وخسائر بشرية
على الأرض، بدت الصورة أكثر قتامة. فبعد مرور أكثر من أسبوع على اندلاع الاحتجاجات، أعلنت منظمات حقوقية عن سقوط ما لا يقل عن 12 قتيلاً، بينهم عناصر من قوات الأمن، منذ شرارة الإضرابات الأولى في طهران.
الاحتجاجات امتدت إلى عشرات المدن، من العاصمة إلى شيراز، مروراً بمناطق الغرب ذات الكثافة السكانية من الأقليات القومية، حيث ارتفعت حدة المواجهات بشكل لافت.
منظمات حقوقية تحدثت عن استخدام الرصاص الحي في بعض المناطق، خصوصاً في محافظة إيلام، متهمة قوات الأمن باللجوء إلى العنف المفرط، بل وبمداهمة مستشفيات لمصادرة جثامين القتلى. في المقابل، نفت السلطات هذه الاتهامات، مؤكدة أن قواتها تواجه “مثيري شغب” حاولوا اقتحام مراكز أمنية. وبين الروايتين، يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف، يدفعون ثمن صراع مفتوح على الشارع والشرعية.
ذاكرة 2022.. وهاجس التكرار
هذه الاحتجاجات تُعدّ الأوسع منذ موجة الغضب التي اجتاحت البلاد في خريف 2022 عقب وفاة مهسا أميني، وهي أحداث ما زالت حاضرة بقوة في الوعي الجمعي الإيراني والدولي، صحيح أن الحراك الحالي لم يبلغ بعد مستوى التعبئة الواسعة التي شهدتها تلك الفترة، لكنه يحمل سمات مقلقة للسلطات، أبرزها امتداده الجغرافي وتزامنه مع أزمة اقتصادية خانقة وضغوط خارجية متزايدة.
التاريخ القريب يقول: إن تجاهل المطالب أو التعامل الأمني الصرف غالبًا ما يؤدي إلى نتائج عكسية، وهو ما حذرت منه الأمم المتحدة صراحة، داعية إلى عدم تكرار سيناريو القمع العنيف الذي طبع احتجاجات الأعوام السابقة.
اقتصاد في أزمة وحلول محدودة
في محاولة لامتصاص الغضب، أعلنت الحكومة الإيرانية صرف مساعدات نقدية شهرية محدودة للمواطنين خلال الأشهر المقبلة. خطوة وُصفت بأنها إسعافية أكثر منها علاجية، في ظل تضخم مرتفع، وعملة متراجعة، وضغوط معيشية أثقلت كاهل الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
ويرى مراقبون، أن الأزمة الاقتصادية ليست سوى الوقود الظاهر للاحتجاجات، بينما تكمن جذورها الأعمق في انسداد الأفق السياسي، وتراجع الثقة بين الشارع ومؤسسات الحكم، وعلى رأسها المؤسسة الدينية التي يقودها المرشد الأعلى علي خامنئي منذ أكثر من ثلاثة عقود.
ردود إقليمية ودولية متشابكة
لم تتأخر طهران في الرد على تصريحات ترامب، إذ وصف وزير الخارجية عباس عراقجي التهديدات الأميركية بأنها “متهورة”، مؤكدًا أن القوات المسلحة في حالة جاهزية لأي تدخل خارجي.
في المقابل، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تضامن بلاده مع “تطلعات الشعب الإيراني للحرية”، معتبرًا أن ما يجري قد يمثل لحظة فاصلة في تاريخ إيران الحديث.
أما في العواصم الأوروبية، فقد خرجت تظاهرات تضامنية في باريس ولندن، في مؤشر على أن ما يحدث داخل إيران لم يعد محصورًا داخل حدودها، بل بات جزءًا من معركة رأي عام عالمية حول الحقوق والحريات ومستقبل الاستقرار في المنطقة.
إلى أين تتجه الأزمة؟
بين تهديد خارجي وتصعيد داخلي، تقف إيران عند مفترق طرق حرج. فالتعامل الأمني قد يفرض هدوءًا مؤقتًا، لكنه يحمل في طياته بذور انفجار أكبر، فيما تبدو الحلول الاقتصادية الجزئية عاجزة عن معالجة أزمة ثقة عميقة.
وفي ظل مراقبة أميركية حثيثة، وتحفز إقليمي واضح، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح طهران في احتواء الغضب قبل أن يتحول إلى موجة لا يمكن السيطرة عليها، أم أن البلاد مقبلة على فصل جديد من فصول الصدام؟

العرب مباشر
الكلمات