الأقصى تحت الحصار.. اقتحامات منظمة وطقوس دينية بحماية رسمية
الأقصى تحت الحصار.. اقتحامات منظمة وطقوس دينية بحماية رسمية
في مدينة تُقاس أيامها بعدد الحواجز، وتُحسب ساعاتها على وقع صافرات الإنذار، لم يعد اقتحام المسجد الأقصى خبرًا استثنائيًا، بل صار عنوانًا يوميًا لمشهد سياسي وديني شديد الخطورة، ما يحدث في باحات الأقصى يتجاوز كونه خرقًا أمنيًا أو استفزازًا دينيًا عابرًا؛ إنه جزء من مسار مدروس لإعادة تعريف المكان والزمان داخل أحد أقدس مقدسات المسلمين.
تحت حماية مباشرة من قوات الاحتلال، يدخل المستوطنون ساحات المسجد، يؤدون طقوسًا تلمودية علنية، ويتحركون بثقة من يعرف أن الغطاء السياسي والعسكري حاضر. في المقابل، يُترك الفلسطيني، صاحب المكان والتاريخ، في موقع المتفرج المقموع، تُفرض عليه القيود، ويُمنع من أبسط حقوق العبادة.
تفاصيل الاقتحام.. أرقام تتحدث
شهد المسجد الأقصى، اليوم، اقتحامًا جديدًا نفذه عشرات المستوطنين تحت حماية مشددة من شرطة الاحتلال الإسرائيلي.
ووفق ما أعلنت محافظة القدس، بلغ عدد المقتحمين الذين دخلوا باحات المسجد وأدوا طقوسًا تلمودية واستفزازية نحو 80 مستوطنًا، بينما دخل ما يقارب 350 آخرين عبر بوابة السياحة الخاضعة لسيطرة الاحتلال، في مشهد يعكس حجم التنظيم والتسهيلات الرسمية المقدمة لهذه الجماعات.
لم يكن المشهد عشوائيًا أو وليد اللحظة؛ بل جاء منظمًا، بملابس دينية خاصة، وحركات طقسية واضحة، وفي ظل انتشار أمني مكثف منع أي احتكاك مباشر، لكنه في الوقت ذاته قيّد حركة المصلين الفلسطينيين، وفرض واقعًا غير متكافئ داخل الحرم الشريف.
الاقتحامات المتكررة ليست مجرد أفعال فردية لجماعات متطرفة، بل تمثل سياسة غير معلنة تتقاطع فيها أجندات دينية مع حسابات سياسية.
الجماعات الاستيطانية تسعى -بدعم من أطراف داخل الحكومة الإسرائيلية- إلى تكريس مفهوم “الحق الديني” المزعوم في الأقصى، وتحويل الوجود المؤقت إلى ممارسة اعتيادية، تمهيدًا لفرض تقسيم زماني ومكاني على غرار ما حدث في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل.
هذا التقسيم، الذي يبدأ بتحديد ساعات للمستوطنين وأخرى للمسلمين، لا يقف عند حدود الزمن، بل يمتد إلى المكان ذاته، عبر تخصيص مناطق محددة داخل باحات المسجد، وهو ما تعتبره المؤسسات الفلسطينية تمهيدًا لتغيير جذري في الوضع القائم (الستاتيكو) المعمول به منذ عقود.
ديسمبر.. شهر الاقتحامات المكثفة
خلال شهر ديسمبر الماضي وحده، سجل المسجد الأقصى 27 اقتحامًا نفذها مستوطنون، في معدل يكشف تصعيدًا لافتًا مقارنة بفترات سابقة، هذه الأرقام لا تعكس فقط وتيرة أعلى، بل تشير إلى محاولة اختبار ردود الفعل الفلسطينية والعربية والدولية، وقياس حدود الصمت، أو الاكتفاء ببيانات الإدانة التقليدية.
في المقابل، تفرض سلطات الاحتلال قيودًا مشددة على دخول الفلسطينيين، خصوصًا من فئة الشباب، وتُستخدم الإجراءات الأمنية كأداة لإفراغ المسجد من رواده الأصليين، في الوقت الذي يُفتح فيه على مصراعيه أمام المستوطنين.
ما يجري في الأقصى لا يمكن فصله عن المشهد الأشمل في القدس، حيث تتعرض المدينة لعملية تهويد متسارعة تشمل الأرض، والهوية، والمقدسات، الاقتحامات اليومية تشكل أحد أوجه هذه العملية، إلى جانب الاستيطان، وهدم المنازل، وسحب الهويات، ومحاصرة الأحياء الفلسطينية.
الخطير في الأمر أن تحويل الاقتحام إلى روتين يومي يسهم في تطبيع الانتهاك، ويخلق واقعًا جديدًا قد يصبح، بمرور الوقت، أمرًا واقعًا يصعب التراجع عنه دون كلفة عالية.
غياب الردع الدولي
يرى د. محمد المنجي، أستاذ العلوم السياسية، أن ما يجري في المسجد الأقصى لا يمكن قراءته بوصفه سلسلة اقتحامات دينية معزولة، بل كجزء من استراتيجية إسرائيلية طويلة النفس تهدف إلى إعادة صياغة مفهوم السيادة في القدس عبر الأدوات الدينية والأمنية معًا، مضيفًا أن إدخال الطقوس التلمودية إلى باحات الأقصى تحت حماية رسمية يمثل انتقالًا خطيرًا من مرحلة التسامح القسري مع الاقتحامات إلى مرحلة التطبيع القسري معها، بما يحول الانتهاك إلى ممارسة اعتيادية.
ويشير المنجي في حديثه لـ"العرب مباشر"، إلى أن الرهان الأساسي للاحتلال يتمثل في عامل الزمن، فالتكرار اليومي للاقتحامات، مقرونًا بغياب ردع دولي فعّال، يهدف إلى خلق واقع جديد يُفرض لاحقًا باعتباره أمرًا واقعًا غير قابل للنقاش.
ويضيف: أن الحديث عن التقسيم الزماني والمكاني لم يعد سيناريو افتراضيًا، بل مشروعًا قيد التنفيذ التدريجي، يبدأ بإجراءات تنظيمية وينتهي بتغيير جوهري في هوية المكان.
ويحذر المنجي من أن خطورة المشهد لا تكمن فقط في المساس بالمقدسات، بل في تداعياته السياسية والأمنية، إذ إن الأقصى يمثل خطًا أحمر عابرًا للحدود، وأي مساس به قد يعيد تفجير الصراع على نطاق أوسع، ويخلص إلى أن استمرار الصمت العربي والدولي يمنح الاحتلال هامشًا أوسع للمضي قدمًا، بينما يدفع المنطقة نحو لحظة انفجار يصعب احتواؤها.

العرب مباشر
الكلمات