من الخبز إلى الشارع.. كيف أشعل الاقتصاد موجة الغضب في إيران؟

من الخبز إلى الشارع.. كيف أشعل الاقتصاد موجة الغضب في إيران؟

من الخبز إلى الشارع.. كيف أشعل الاقتصاد موجة الغضب في إيران؟
احتجاجات إيران

لم يعد الغضب في إيران همسًا في البيوت أو شكاوى مكتومة في طوابير الخبز، بل خرج إلى الشوارع بصوت مرتفع، مدفوعًا بانهيار اقتصادي خانق وضغوط معيشية لم تعد تُحتمل. خلال أيام قليلة، تحولت الاحتجاجات ذات الطابع الاقتصادي إلى موجة واسعة اجتاحت عشرات المدن، كاشفة عن عمق الأزمة التي يعيشها الإيرانيون، ارتفاع الأسعار، تدهور العملة، وتآكل القدرة الشرائية، كلها عوامل فجّرت غضبًا شعبيًا واجهته السلطات بإجراءات أمنية مشددة، منظمات حقوقية تحدثت عن سقوط قتلى، بينهم أطفال، واعتقال مئات المتظاهرين، في مشهد يعيد إلى الأذهان دورات سابقة من القمع المرتبط بالاحتجاجات الاجتماعية.

اتساع رقعة الاحتجاجات


بحسب منظمات حقوق الإنسان، لم تظل الاحتجاجات محصورة في العاصمة، بل امتدت بسرعة لافتة إلى عشرات المدن في مختلف أنحاء إيران، وأفادت منظمة نشطاء حقوق الإنسان في إيران بأن التحركات الشعبية طالت ما لا يقل عن 78 مدينة و222 موقعًا، في مؤشر على أن الأزمة الاقتصادية لم تعد مشكلة محلية أو فئوية، بل باتت أزمة وطنية شاملة.

المطالب التي رفعها المحتجون لم تخرج عن الإطار المعيشي: وقف انهيار العملة، السيطرة على الأسعار، وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة. غير أن هذه المطالب سرعان ما اصطدمت بجدار أمني صلب، مع انتشار كثيف للقوات وفرض قيود مشددة على التجمعات.

ضحايا في الشوارع.. وأطفال في مرمى النار

الوجه الأكثر قتامة في هذه الاحتجاجات تمثل في سقوط ضحايا، بينهم قاصرون. منظمات حقوقية أكدت مقتل ما لا يقل عن 20 شخصًا خلال أكثر من أسبوع من الاحتجاجات، بينهم ثلاثة أطفال على الأقل.

ووفق تقارير حقوقية، استخدمت قوات الأمن الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين في بعض المدن، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.

وأشارت منظمة هينجاو لحقوق الإنسان إلى مقتل الفتى مصطفى فلاحي (15 عامًا) في مدينة أزنا وسط البلاد، بعد إطلاق النار على متظاهرين مطلع يناير. 

كما وثقت المنظمة مقتل القاصر رسول كاديفاريان (17 عامًا) وشقيقه رضا (20 عامًا) في كرمانشاه، خلال احتجاجات مماثلة، في واقعة أثارت صدمة واسعة داخل الأوساط الحقوقية.

كما جرى الحديث عن وفاة قاصر ثالث يبلغ 17 عامًا في مدينة قم، دون إعلان رسمي عن هويته، ما يعكس – بحسب حقوقيين – صعوبة الوصول إلى المعلومات الدقيقة في ظل القيود الأمنية المفروضة .

الاعتقالات.. أرقام تقترب من الألف

بالتوازي مع سقوط القتلى، شهدت الاحتجاجات حملة اعتقالات واسعة. منظمات حقوق الإنسان قدرت عدد المعتقلين بنحو 990 شخصًا حتى الآن، بينهم عشرات القاصرين. 

هذه الأرقام، وإن كانت تقريبية، تعكس حجم الرد الأمني الذي اختارته السلطات لمواجهة الغضب الشعبي.


وتقول منظمات حقوقية إن الاعتقالات جرت في كثير من الأحيان بشكل عشوائي، وشملت متظاهرين ومارة على حد سواء، في محاولة لكسر زخم الاحتجاجات ومنع توسعها.

خطاب السلطة وتشديد القبضة الأمنية

جاء التصعيد الأمني عقب تصريحات للمرشد الأعلى علي خامنئي، وصف فيها المتظاهرين بأنهم "مثيرو شغب"، وهو توصيف اعتبرته منظمات حقوقية تمهيدًا لتبرير استخدام القوة، بعد هذه التصريحات، سُجل انتشار مكثف للقوات الأمنية في عدد من المدن، مع تشديد الرقابة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.

هذا الخطاب، بحسب مراقبين، يعكس فجوة متزايدة بين السلطة والشارع، حيث يجري التعامل مع الاحتجاجات الاجتماعية بوصفها تهديدًا أمنيًا لا أزمة معيشية.

من جانبها، قالت سكايلر طومسون، نائبة مدير منظمة نشطاء حقوق الإنسان في إيران: إن المنظمة وثقت حالات قتل واعتقال، من بينها توقيف ما لا يقل عن 44 طفلًا.

 وأضافت أن الحضور اللافت للشباب والقاصرين في الاحتجاجات يعكس عمق اليأس الاقتصادي لدى الأجيال الأصغر سنًا.

وأكدت أن الاستهداف العشوائي للمدنيين، لا سيما الأطفال، يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، محذرة من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى مزيد من التصعيد بدلًا من احتواء الأزمة.

المحرك المركزي للغضب الشعبي


في السياق ذاته، يرى د. محمد خيري، المحلل السياسي المتخصص في الشأن الإيراني، أن ما تشهده إيران حاليًا يتجاوز كونه موجة احتجاجات مطلبية تقليدية، ليعكس تحولًا أعمق في طبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة.

ويؤكد خيري في حديثه لـ"العرب مباشر"، أن العامل الاقتصادي لم يعد مجرد محفّز ثانوي، بل أصبح المحرك المركزي للغضب الشعبي، خاصة مع تآكل الطبقة الوسطى واتساع رقعة الفقر بين فئات كانت تُعد تاريخيًا قاعدة للاستقرار الاجتماعي.

ويضيف أن خطورة هذه الاحتجاجات تكمن في اتساعها الجغرافي ومشاركة القاصرين والشباب فيها، وهو ما يشير – بحسب تعبيره – إلى فقدان الأمل المؤسسي لدى أجيال نشأت في ظل العقوبات والضغوط الاقتصادية دون أن ترى أفقًا حقيقيًا للتحسن.


ويرى خيري أن توصيف المحتجين بـ"مثيري الشغب»" يعكس منطقًا أمنيًا تقليديًا اعتادت عليه السلطة، لكنه لم يعد كافيًا لاحتواء أزمة ذات جذور معيشية عميقة.

ويحذر المحلل السياسي من أن استمرار التعامل الأمني وحده قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد يدفع الاحتجاجات إلى مزيد من الراديكالية أو يخلق حالة احتقان طويلة الأمد.

ويخلص خيري إلى أن أي تهدئة حقيقية لن تتحقق دون اعتراف رسمي بحجم الأزمة الاقتصادية، وطرح حلول ملموسة تمس حياة المواطن اليومية، بدل الاكتفاء بإجراءات الضبط والقمع، التي قد تؤجل الانفجار لكنها لا تمنعه.