التهديد بحرب أهلية.. استراتيجية حزب الله لإدارة ملف نزع السلاح
التهديد بحرب أهلية.. استراتيجية حزب الله لإدارة ملف نزع السلاح
ديقف لبنان مجددًا على حافة اختبار بالغ الحساسية، حيث يتحول ملف سلاح حزب الله من معادلة ردع خارجية إلى أزمة داخلية تهدد التوازن الهش في البلاد.
فمع إصرار الدولة على بسط سيادتها على كامل الأراضي وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، تتصاعد تحذيرات الحزب من أن هذا المسار قد يفتح أبواب الفوضى ويعيد شبح الحرب الأهلية.
وبين ضغوط دولية متزايدة ومخاوف محلية من الانزلاق إلى مواجهة داخلية، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام سؤال مصيري، كيف يمكن استعادة الدولة لسلطتها دون تفجير السلم الأهلي أو إعادة البلاد إلى زمن الانقسامات الدامية؟
معركة جديدة بملامح مختلفة
تؤكد مصادر مطلعة، أن حزب الله يتعامل مع ملف نزع السلاح باعتباره معركة وجودية، لا تقل أهمية عن أي مواجهة عسكرية خاضها سابقًا، الفارق أن هذه المعركة تُدار داخل الدولة، وبأدوات سياسية ونفسية وإعلامية، لا بالصواريخ.
فالحزب يدرك أن البيئة الإقليمية تغيّرت، وأن هامش المناورة الذي كان متاحًا له في العقدين الماضيين يتقلص تدريجيًا.
وفق هذه المصادر، فإن القيادة المركزية للحزب بلورت استراتيجية ثلاثية الأبعاد: رفع سقف التحذير من تداعيات أي محاولة لفرض نزع السلاح خارج الجنوب، ربط أي نقاش داخلي بشروط مرتبطة بإسرائيل، تجنب الصدام مع الجيش للحفاظ على التوازن الوطني.
الرسالة التي يُراد إيصالها إلى الداخل اللبناني واضحة، أي ضغط متسرع أو قسري قد يقود البلاد إلى الفوضى، وربما إلى مواجهة داخلية لا يحتملها بلد منهك اقتصاديًا وسياسيًا.
جنوب الليطاني حدود المعركة المؤقتة
بحسب المعلومات المتداولة في الأوساط السياسية، قبل الحزب ضمنيًا بحصر النقاش في المرحلة الحالية بالمنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، باعتبار ذلك جزءًا من التزامات وقف إطلاق النار. غير أن هذا القبول مشروط ومؤقت، ويهدف إلى كسب الوقت أكثر مما يعكس استعدادًا لتغيير جوهري في العقيدة الأمنية للحزب.
إعلان الجيش اللبناني استكمال سيطرته العملياتية في تلك المنطقة شكّل محطة مفصلية، إذ نقل الملف من مستوى التنظير السياسي إلى مستوى التنفيذ الميداني. ومع تكليف مجلس الوزراء الجيش بإعداد خطة أوسع لنزع السلاح في مناطق أخرى، بدأ القلق الحقيقي يتسلل إلى بنية الحزب.
هنا، وفق مصادر مطلعة، فعّل الحزب آلية الردع النفسي تضخيم المخاطر، استحضار سيناريو الحرب الأهلية، والتحذير من انهيار الاستقرار الهش، الهدف ليس فقط الضغط على الحكومة، بل أيضًا التأثير في الرأي العام اللبناني، ودفعه إلى اعتبار الملف مغامرة غير محسوبة الكلفة.
شروط تحول الداخل إلى رهينة الخارج
في موازاة ذلك، يصر الحزب على ربط أي نقاش حول السلاح شمال الليطاني بجملة شروط خارجية انسحاب إسرائيل من مواقع حدودية متنازع عليها، وقف الغارات الجوية، وإطلاق سراح لبنانيين محتجزين.
بهذه المعادلة، ينقل الحزب مركز الثقل من الداخل اللبناني إلى الصراع مع إسرائيل، ويحوّل الضغط المحلي إلى ورقة تفاوض إقليمية.
مصادر مطلعة ترى، أن هذه المقاربة تهدف إلى إعادة تعريف السلاح بوصفه أداة تفاوض لا مشكلة داخلية، فبدل أن يكون الملف جزءًا من بناء الدولة، يصبح جزءًا من معركة التحرير المستمرة. وبهذا، يحتفظ الحزب بدوره الإقليمي، حتى وهو يواجه ضغوطًا غير مسبوقة في الداخل.
لكن هذا الربط يحمل مخاطر كبيرة، فكل تأخير في تنفيذ التعهدات اللبنانية قد يُستخدم ذريعة لتصعيد إسرائيلي، ما يضع الحكومة في موقع العاجز، ويعيد إنتاج معادلة “البلد الرهينة”.
الجيش.. الخط الأحمر
تشير المصادر ذاتها إلى أن الحزب يحرص على عدم الانجرار إلى مواجهة مع الجيش اللبناني، إدراكًا منه أن أي صدام من هذا النوع سيكسر ما تبقى من شرعيته الوطنية. لذلك، يعتمد خطابًا مزدوجًا، رفض المساس بسلاحه، مع التأكيد على احترام المؤسسة العسكرية وعدم استهدافها.
هذا التوازن الدقيق يسمح له بالتمسك بسلاحه من دون الظهور كقوة انقلابية على الدولة. وفي الوقت نفسه، يضع الحكومة في مأزق: فهي مطالبة بتنفيذ التزاماتها الدولية، من دون امتلاك أدوات فرض القرار على لاعب مسلح يتمتع بقاعدة شعبية وتنظيم متماسك.
رهان الوقت وتبدّل الموازين
تخلص مصادر مطلعة إلى أن حزب الله يراهن على عامل الوقت، وعلى تبدّل أولويات الإقليم، وعلى تعب المجتمع الدولي من الملفات المفتوحة. فكل شهر يمرّ من دون انفجار داخلي أو تصعيد كبير، يُحسب مكسبًا في ميزان الحزب.
غير أن هذا الرهان محفوف بالمخاطر. فلبنان يقف اليوم على تقاطع طرق: إما أن ينجح في إدارة هذا الملف عبر تسوية سياسية تاريخية تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح، أو أن ينزلق إلى مرحلة شلل طويل، تتآكل فيها هيبة الدولة، وتبقى فيها الحرب مؤجلة لا منتهية.
في هذا السياق، لا يبدو أن معركة السلاح هي مجرد بند في اتفاق، بل اختبار نهائي لفكرة الدولة نفسها، هل تكون السلطة العليا بيد المؤسسات، أم تبقى موزعة بين الدولة و”الضرورة الأمنية” التي لم تعد تحظى بالإجماع السابق.

العرب مباشر
الكلمات