انهيار السلطة في طهران.. الشلل القيادي يفتح الباب لفوضى داخلية
انهيار السلطة في طهران.. الشلل القيادي يفتح الباب لفوضى داخلية
على مدى ما يقرب من أربعة عقود، جسد آية الله علي خامنئي يقين الجمهورية الإسلامية من خلال سلطة فردية تشرف على كل قرار رئيسي في الحرب والسلام والقمع والإصلاح والاقتصاد والأيديولوجيا. إلا أن مقتله في ضربة منسقة أمريكية إسرائيلية على مجمع قيادته في طهران في 28 فبراير قد مزق هذا اليقين بأكثر الطرق عنفًا.
غرور النظام الإيراني
وبحسب تقرير لمعهد الشرق الأوسط (MEI)، فإن ما يبرز في هذه العملية هو عنصر الغرور، فالنظام كان على علم بأن الاستخبارات الأجنبية اخترقت أجهزة الاتصال والأمن والهياكل الحكومية بعمق لم تشهده الجمهورية منذ تأسيسها قبل 47 عامًا.
خامنئي نفسه حذر علنًا من التسلل داخل القوات المسلحة والحرس الثوري والخدمات الاستخباراتية الإيرانية.
ومع ذلك، استدعى مجلس الحرب، المعروف بمجلس الدفاع، في أكثر المواقع وضوحًا، وهو مكتب المرشد الأعلى. وتضمنت قائمة الأهداف شخصيات محورية في جهاز القمع الإيراني مثل رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، قائد الحرس الثوري، وزير الدفاع، وأمين مجلس الدفاع.
بهذه الطريقة، عرض خامنئي نفسه وكبار المسؤولين الأمنيين الإيرانيين لمخاطر استهداف مباشر في ظل توتر شديد مع الولايات المتحدة وتجميع البنتاغون لأكبر قوة أمريكية في المنطقة منذ عقود.
قد يكون سبب إهماله لأمنه الشخصي هو استعداده للموت كشاهد على قضيته. ربما كان يخشى أن يكون البديل هو قيادة انسحاب مهين.
لقد قاد البلاد إلى أكبر مواجهة عسكرية منذ عام 1988، صراع مباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وشاهد بعجز تراجع عناصر الردع الإيراني، ومن زاوية نظره، كان الموت شهادة على المقاومة أفضل من التفاوض كقائد جلب الكارثة للبلاد.
المجلس القيادي المؤقت وإدارة الأزمة
وفاة خامنئي دفعت النظام إلى عملية خلافة طارئة في ظل ظروف الحرب، وهو ما لم يحدث سابقًا في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
أصبحت إيران تحكمها الآن هيئة قيادية ثلاثية مؤقتة تضم الرئيس مسعود بيزشكيان، ورئيس القضاء غلام حسين محسني إيجئي، والفقير وأمين مجلس صيانة الدستور علي رضا أعرافي.
ويملك هؤلاء نظريًا كامل سلطات المرشد الأعلى السابقة، لكن عليهم الآن ممارسة هذه الصلاحيات في ظل أزمة حادة وتدمير قيادات الأمن العليا واندلاع حرب.
يمثل كل عضو تيارًا مختلفًا في هوية الجمهورية الممزقة سياسيًا. بيزشكيان يمثل تيار pragmatism المعتدل، إيجئي يمثل المؤسسة القضائية المتشددة المرتبطة بالحرس الثوري، وأعرافي يمثل الشبكات التقليدية الموالية لخامنئي. لم يُنتخب هؤلاء كخلفاء، ولا أحد منهم تم تهيئته رسميًا لهذا الدور، ووحدتهم نتجت عن آلية دستورية لا عن توافق سياسي.
تواجه الهيئة المهمة الأولى والأكثر خطورة: الحفاظ على تماسك داخلي والتحضير لانتخاب مرشد جديد عبر مجلس الخبراء، الذي يضم 88 من كبار رجال الدين.
وهناك تساؤلات عن قدرة المجلس على الانعقاد أثناء الحرب بسبب عوائق التنقل واضطراب شبكات الاتصال، وهو ما قد يجعل الهيئة القيادية المؤقتة مستمرة في السلطة لفترة أطول من المقرر.
تأثير الفراغ القيادي على الدولة
الفراغ القيادي لم يقتصر على مكتب المرشد فحسب، بل طال المؤسسة الأمنية بأكملها. فقد قتل في الضربة نفسيًا وكل من الجنرال عبد الرحيم موسوي رئيس أركان القوات المسلحة، وقائد الحرس محمد باكبور، ووزير الدفاع عزيز نصير زاده، وأمين مجلس الدفاع علي شمخاني. وقد أدي ذلك إلى قطع سلاسل القيادة بالكامل.
تحت هذه الظروف، صارت مهمة المجلس المؤقت لا تقتصر على الحكم، بل على إثبات استمرار الدولة. وكالات الدولة المختلفة مثل البنوك والمطارات والمدارس أُجبرت على الالتزام ببروتوكولات الطوارئ، فيما أعلنت البلاد أربعين يومًا من الحداد الوطني.
الخوف من انفلات الشارع وتصعيد الحرب
تحت السطح الرسمي، يكمن خوف حقيقي من عدم تصديق الجمهور للرسائل الحكومية، وما قد ينشأ من احتجاجات غير مسيطرة عليها. الاحتجاجات والاشتباكات مع قوات البسيج مستمرة، بينما يواصل النظام توجيه تهديدات ضد كل من يحتفل بوفاة خامنئي.
سياسيًا وعسكريًا، تتبع إيران استراتيجية الرد بالمثل عبر إطلاق صواريخ على القواعد الأمريكية، ضرب أهداف إسرائيلية، وممارسة ضغوط على دول الخليج بالطائرات المسيرة والصواريخ. الهدف هو إظهار قدرة إيران على الصمود وفرض تكاليف على خصومها.
في المقابل، تستمر القنوات الدبلوماسية. إدارة ترامب تقول: إن إيران عبرت عن اهتمام بوقف إطلاق النار أو إقامة قناة لتخفيف التوتر، وهو ما يُنظر إليه كخطوة ضمن استراتيجية إدارة ثلاثية المعركة: ضد الولايات المتحدة، وإسرائيل، واحتمال انتفاضة داخلية.
سيناريوهات قاتمة
ونقل مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، توصيات سوزان مالوني، نائب رئيس برنامج السياسة الخارجية بمعهد بروكينغز، والتي أكدت فيها ضرورة إعادة الولايات المتحدة النظر في افتراضاتها حول تغيير القيادة الإيرانية، وأن تعيد تفعيل جهود محاسبة النظام، والاستعداد لتصعيد من الجماعات الوكيلة، والتحضير للدبلوماسية النووية.
وتشير إلى أن أي انتقال قيادي في إيران قد يتخذ ثلاثة مسارات رئيسية: استمرار النظام الحالي، تولي العسكريين السلطة، أو انهيار النظام بالكامل. إدارة أي تغير في القيادة بمفرده لن يغير النظام الحالي، كما أن أي خليفة جديد سيواجه مسؤولية ضخمة عن إدارة الشبكات الداخلية والدولية للنظام، بما في ذلك الاقتصاد والسياسة الإقليمية والهيمنة على المواطنين.
رؤية إعادة الهيكلة
ونقل "منبر القدس الاستراتيجي" الأمريكي، مقابلة رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل، أن الشعب الإيراني يدفع الثمن من القمع اليومي، مع تنفيذ أحكام الإعدام للمتظاهرين وكبت المعارضين، وأن المرحلة القادمة يجب أن يقرر فيها الإيرانيون ما إذا كان نظامهم سيكون ملكيًا أم جمهوريًا.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة اتبعت نهج الحذر تجاه دعم أي شخصية معارضة رسمية، مستندة على التوازن بين الضغط العسكري والدبلوماسي والاقتصادي لتعزيز نفوذها وتحقيق مصلحة الشعب الإيراني بدلًا من النخبة الحاكمة.
وأكد أن الانتقال يتطلب وضوحًا وإقناعًا، وليس مجرد خيارات. جيل الشباب لم يعش في عهد شاه إيران، ولذا فإن تقديم الملكية كخيار ضمن خيارات متعددة لن يوفر قاعدة استقرار.
بينما نموذج الملكية الدستورية الحديثة يمكن أن يوفر إطارًا مؤسسيًا مستقرًا يجمع بين رئيس دولة رمزي وحكومة منتخبة، ويضمن حماية الحقوق المدنية والأقليات وفصل الهوية الوطنية عن المنافسة الحزبية.
ويخلص إلى أن الشعب الإيراني اليوم يسعى للكرامة والفرص والاندماج في العالم الحديث، ويريد حرية الحركة والتفاعل مع الأسواق العالمية والتكنولوجيا والتعليم، بعيدًا عن حكم مجموعة ضيقة من المتطرفين الأيديولوجيين.

العرب مباشر
الكلمات