غزة بين الوصاية الدولية والحكم المؤقت.. ماذا يعني "مجلس السلام" في خطة ترامب؟

غزة بين الوصاية الدولية والحكم المؤقت.. ماذا يعني "مجلس السلام" في خطة ترامب؟

غزة بين الوصاية الدولية والحكم المؤقت.. ماذا يعني
ترامب

بين ركام البيوت المدمّرة في غزة، يتقدّم مشروع سياسي غير مسبوق في تاريخ الصراع الفلسطيني– الإسرائيلي، يحمل توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ويعيد طرح سؤال السيادة من زاوية جديدة، من يدير القطاع بعد الحرب، ومع اقتراب الإعلان الرسمي عن "مجلس السلام"، تتحول غزة إلى ساحة اختبار لنموذج حكم انتقالي تقوده واشنطن، وتشارك فيه شخصيات دولية بارزة، تحت شعار إعادة الإعمار والاستقرار.

 الخطة لا تتوقف عند وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى، بل تتجاوز ذلك إلى هندسة سياسية كاملة لما بعد الحرب، تقوم على إقصاء حماس عن الحكم، وتكليف لجنة فلسطينية من التكنوقراط بإدارة الحياة اليومية، تحت إشراف مجلس دولي يرأسه ترامب نفسه، وبينما ترى واشنطن في هذه الصيغة مخرجًا من الفوضى، تعتبرها الفصائل الفلسطينية عودة مقنّعة إلى منطق الوصاية والانتداب، هكذا تقف غزة أمام مفترق تاريخي، انتقال مؤقت نحو دولة فلسطينية، أم إعادة إنتاج السيطرة بأدوات دولية جديدة؟

ما هو "مجلس السلام"؟


وفق التسريبات الأميركية وما ورد في مشروع القرار المودَع في مجلس الأمن، فإن "مجلس السلام" يشكّل القلب السياسي لخطة ترامب المؤلفة من عشرين بندًا، والتي أُقرت خطوطها العريضة في قمة شرم الشيخ أواخر عام 2025.

 المجلس ليس مجرد هيئة تنسيقية، بل كيان دولي مؤقت ذو شخصية قانونية، يُفترض أن يقود المرحلة الانتقالية في غزة بعد وقف الحرب.

بحسب الرؤية الأميركية، يتولى المجلس ثلاث وظائف مركزية، الإشراف العام على إدارة قطاع غزة خلال المرحلة الانتقالية، ورسم الأطر العليا لإعادة الإعمار، وجذب التمويل والاستثمارات الدولية، والإشراف على نشر قوة دولية مؤقتة لضمان الأمن ومنع عودة دوامة العنف.

الخطة تنص على أن الإدارة اليومية للقطاع ستُسند إلى لجنة فلسطينية من التكنوقراط، مؤلفة من 15 شخصية مستقلة، تتولى إدارة الخدمات الأساسية وإعادة بناء المؤسسات المدنية، هذه اللجنة تعمل تحت مظلة "مجلس السلام"، الذي يرأسه ترامب أو من ينيبه، وتكون له الكلمة العليا في التوجيه السياسي والاستراتيجي.

وتشير مصادر أميركية، أن نيكولاي ملادينوف، المبعوث الأممي السابق للشرق الأوسط ووزير خارجية بلغاريا الأسبق، سيتولى منصب "الممثل السامي" للمجلس، ليكون حلقة الوصل بينه وبين اللجنة الفلسطينية، في المقابل، ترى حركة حماس في هذه الصيغة عودةً لمنطق الوصاية الدولية، وقد أعلنت رفضها المسبق لها، معتبرة أن أي إدارة مفروضة من الخارج تمثل "إحياءً لزمن الانتداب".

من سيجلس على الطاولة؟ شبكة دولية لإدارة غزة

تسعى واشنطن إلى منح "مجلس السلام" طابعًا دوليًا واسعًا، يضم قادة سياسيين ودبلوماسيين وشخصيات اقتصادية مؤثرة، الأسماء التي باتت معروفة حتى الآن تعكس هذا التوجه المتعدد الأبعاد:
دونالد ترامب، رئيسًا للمجلس.
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.
المبعوث الخاص ستيف ويتكوف.
جاريد كوشنر، صهر ترامب وعرّاب صفقات الشرق الأوسط.
رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير.
رئيس البنك الدولي أجاي بانغا.
الملياردير الأميركي مارك روان.
المستشار روبرت غابرييل.

إلى جانب هؤلاء، كُشف عن تشكيل هيئة ثالثة مرتبطة بالمجلس تُعرف باسم "المجلس التنفيذي"، ذات طابع استشاري وتنفيذي مرن، تضم خليطًا من الدبلوماسيين ورجال الأعمال ومبعوثين دوليين، من بينهم: نيكولاي ملادينوف، سيغريد كاغ، هكان فيدان، علي الذوادي، حسن رشاد، ريم الهاشمي، إلى جانب شخصيات اقتصادية إسرائيلية وأميركية.

كما تلقى عدد من القادة دعوات رسمية للانضمام أو المشاركة، من بينهم: عبد الفتاح السيسي، وفلاديمير بوتين، رجب طيب أردوغان، لولا دا سيلفا، خافيير ميلي، مارك كارني، إيدي راما، ونيكوس خريستودوليدس، الأردن أعلن رسميًا أن الملك عبد الله الثاني تلقى دعوة قيد الدراسة.

هذا التنوّع في الأسماء يعكس محاولة أميركية لتحويل غزة إلى ملف دولي واسع، لا يقتصر على البعد الأمني، بل يمتد إلى الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار، بما يجعل القطاع جزءًا من شبكة مصالح عالمية جديدة.

حماس والفصائل.. بين الإقصاء والمساومة السياسية


في جوهر الخطة الأميركية بندٌ حاسم: لا دور سياسي أو عسكري لحركة حماس في غزة مستقبلًا. 

الوثائق الأميركية تتحدث بوضوح عن إنهاء حكم الحركة، ونزع السلاح الثقيل للفصائل، ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية، بما يضمن أمن إسرائيل على المدى البعيد.

غير أن هذا التصور يصطدم بواقع سياسي معقّد. فحماس ترفض تسليم سلاحها، وتؤكد أن المقاومة شأن وطني فلسطيني يُناقش ضمن حوار شامل بين الفصائل، مشيرة إلى استعدادها لتسليم السلاح فقط لدولة فلسطينية مستقلة، وهو ما ترفضه إسرائيل حتى الآن.

السيناريوهات الوسطية المطروحة في الكواليس تتحدث عن حلول هجينة، تخلي حماس عن الحكم مع الاحتفاظ بوجود سياسي محدود، تسليم السلاح الثقيل مع الإبقاء على أسلحة فردية، دمج بعض عناصر المقاومة في قوة فلسطينية جديدة، تحويل حماس تدريجيًا إلى حزب سياسي مدني.

 

لكن نجاح هذه الصيغ مرهون بقبول أميركي–إسرائيلي، وهو أمر غير مضمون، فالخطة، في بنيتها العميقة، لا ترى في الفصائل شريكًا في إدارة المرحلة المقبلة، بل عبئًا أمنيًا يجب تحييده. 

 

وهنا تكمن العقدة الأساسية، هل يمكن فرض نموذج حكم انتقالي على مجتمع خرج لتوّه من حرب مدمرة، من دون توافق وطني فلسطيني؟