من هو أليكس بريتي.. من مواطن عادي إلى قضية رأي عام في الولايات المتحدة؟
من هو أليكس بريتي.. من مواطن عادي إلى قضية رأي عام في الولايات المتحدة؟
لم يكن أليكس بريتي اسمًا معروفًا في الفضاء العام قبل أن يتحول، في لحظة دامية، إلى محور جدل وطني في الولايات المتحدة. ممرض عناية مركزة، عاشق للطبيعة، وناشط مدني قَلِق مما يراه انزلاقًا في سياسات بلاده، وجد نفسه فجأة في قلب مواجهة مسلحة مع عملاء فيدراليين انتهت برصاصة قاتلة، بين رواية رسمية تتحدث عن "دفاع عن النفس"، وشهادات عائلة وجيران وزملاء ترسم صورة رجل هادئ ومثالي النزعة، تشكّل قصة بريتي مرآة لتوتر أعمق، صدام الدولة مع مواطنيها في زمن الاستقطاب الحاد.
من الملاعب إلى المختبر
وُلد أليكس بريتي في ولاية إلينوي، ونشأ في غرين باي بولاية ويسكونسن، في بيئة أميركية تقليدية تُقدّر النشاط البدني والانخراط المجتمعي.
في سنوات مراهقته، لم يكن مختلفًا عن أقرانه، لاعب كرة قدم وبيسبول، مشارك في سباقات المضمار والميدان، وعضو نشط في الكشافة. لكن خلف هذا المسار "النمطي"، كانت تتشكل شخصية أكثر تعقيدًا، تجمع بين الانضباط الرياضي وحس مبكر بالمسؤولية تجاه البيئة والمجتمع.
في المدرسة الثانوية، غنّى في جوقة "غرين باي" للأولاد، ما أضاف بُعدًا إنسانيًا وفنيًا لشخصيته. لاحقًا، التحق بجامعة مينيسوتا، حيث درس علم الأحياء والمجتمع والبيئة، وهو اختيار أكاديمي يعكس اهتمامه المبكر بالعلاقة بين الإنسان والطبيعة والسياسات العامة.
عمل باحثًا علميًا لفترة، قبل أن يقرر العودة إلى مقاعد الدراسة، متجهًا إلى التمريض، وكأن مساره المهني كان يبحث عن أقرب نقطة تماس مباشرة مع الإنسان ومعاناته اليومية.
ممرض وناشط
في مستشفى شؤون المحاربين القدامى في مينيابوليس، عمل بريتي ممرضًا في وحدة العناية المركزة، في بيئة ضاغطة لا تحتمل الهواة. زملاؤه وصفوه بالهادئ، المبتسم، والملتزم، شخصًا يمكن الاعتماد عليه في أصعب اللحظات، خارج المستشفى، كان يجد ملاذه في الطبيعة، وخصوصًا في ركوب الدراجات الجبلية، برفقة كلبه "جول"، الذي شكّل رفيق مغامراته قبل أن ينفق قبل نحو عام من مقتله.
لكن بريتي لم يكن منعزلًا عن محيطه السياسي، استاء بوضوح من سياسات إدارة دونالد ترمب، خصوصًا ما يتعلق بالهجرة والتراجع عن اللوائح البيئية.
شارك في احتجاجات سابقة، من بينها التظاهرات التي أعقبت مقتل جورج فلويد عام 2020، وكان، بحسب مقربين، صريحًا وحاد الصوت أحيانًا، لكنه لم يُعرف يومًا بنزعة عنيفة أو ميل للاشتباك الجسدي، حتى سجله القانوني كان شبه خالٍ، باستثناء مخالفات مرورية بسيطة، ما يعزز صورة مواطن ملتزم، وإن كان غاضبًا.
امتلاكه لسلاح مرخص وتصريح حمل مخفي في ولاية مينيسوتا أضاف لاحقًا عنصرًا إشكاليًا إلى قصته، عائلته تؤكد أنها لم تره يحمل السلاح فعليًا، بينما استخدمت السلطات هذه المعلومة لتدعيم روايتها، هنا، بدأ الخط الفاصل بين "الحق القانوني" و"الاشتباه الأمني" يتلاشى.
قصة فرد في معركة وطنية
مقتل أليكس بريتي برصاص عملاء فيدراليين فجّر عاصفة من الروايات المتناقضة، وزارة الأمن الداخلي قالت: إن أحد العملاء أطلق النار دفاعًا عن النفس بعد مقاومة بريتي ومحاولته نزع سلاحه، وادّعت أنه كان يحمل مسدسًا، في المقابل، شككت عائلته وشهود ومسؤولون محليون في هذه الرواية، مستندين إلى مقاطع فيديو قالوا إنها تُظهر أنه لم يكن مسلحًا لحظة إطلاق النار.
الصدمة لم تكن إنسانية فقط، بل سياسية بامتياز، الرئيس ترمب ربط الحادثة بما وصفه "فوضى الديمقراطيين"، مجددًا تعهده بتنفيذ أوسع حملة ترحيل في تاريخ الولايات المتحدة، والدعوة لتشريعات تحظر "مدن الملاذ الآمن"، في المقابل، تصاعدت الدعوات، حتى من بعض الجمهوريين، لإجراء تحقيق أعمق في تكتيكات إنفاذ قوانين الهجرة.
عائلة بريتي، التي ودّعت ابنها بطلب بسيط ومؤلم: "اكشفوا الحقيقة"، وجدت نفسها في مواجهة خطاب رسمي وصفه بـ"الإرهابي المحلي"، جيرانه وزملاؤه رسموا صورة مغايرة تمامًا، رجل طيب القلب، هادئ، كريم، يصل به التعاطف إلى إعطاء بقشيش سخي لعامل إصلاحات لاتيني، في لحظة كانت المدينة تغلي بالاحتقان.
في النهاية، تتجاوز قصة أليكس بريتي حدود سيرة فرد قُتل في حادثة إطلاق نار، إنها حكاية مواطن عادي وجد نفسه في قلب صراع سياسي وأمني أكبر منه، حيث تتداخل الهوية المهنية، والنشاط المدني، وحق امتلاك السلاح، مع سياسات دولة تعيش استقطابًا حادًا، السؤال الذي يبقى مفتوحًا ليس فقط كيف قُتل بريتي، بل ماذا تقول نهايته عن الولايات المتحدة اليوم، وعن الثمن الذي يدفعه الأفراد عندما تتحول السياسة إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

العرب مباشر
الكلمات