إيران على أعتاب عزلة رقمية شاملة رغم عودة جزئية للإنترنت
إيران على أعتاب عزلة رقمية شاملة رغم عودة جزئية للإنترنت
رغم استئناف جزئي لخدمات الإنترنت في إيران بعد أسابيع من الانقطاع شبه الكامل، يحذر خبراء في شؤون الاتصالات الرقمية من أن آفاق الوصول إلى الشبكة لا تزال قاتمة، في ظل توجهات رسمية تهدف إلى إحكام السيطرة على الفضاء الإلكتروني وتقليص الارتباط بالإنترنت العالمي، وفقا لما نشرته شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
وأكد خبراء في مراقبة الإنترنت لدى منصتي نت بلوكس وكينتيك أن بعض حركة البيانات عادت تدريجيًا، بعد نحو 20 يومًا من قرار السلطات الإيرانية قطع الإنترنت والاتصالات الدولية، في محاولة لاحتواء احتجاجات شعبية واسعة مناهضة للحكومة، قُتل خلالها آلاف المتظاهرين بحسب تقارير حقوقية.
استراتيجية العزل الرقمي تتقدم بخطوات ثابتة
في موازاة العودة الجزئية للاتصال، تشير تقديرات خبراء إلى أن النظام الإيراني أحرز تقدمًا ملموسًا في تنفيذ خططه القديمة الرامية إلى تقليص الاعتماد على الإنترنت الدولي، والانتقال نحو نموذج اتصال مغلق يعتمد على شبكات داخلية خاضعة للرقابة.
ويرى أمير رشيدي، الخبير في الأمن السيبراني ومدير شؤون الحقوق الرقمية في منظمة ميان، أن كل انقطاع واسع للإنترنت في إيران لا يعقبه بالضرورة عودة كاملة للوضع السابق، لافتًا إلى أن بعض المنصات التي حُجبت في أزمات سابقة لم تُرفع عنها القيود حتى اليوم.
منصات محجوبة منذ سنوات دون عودة
وبحسب رشيدي، تم حظر تطبيق إنستغرام عقب انقطاع الإنترنت عام 2022، بالتزامن مع الاحتجاجات التي أعقبت وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى الشرطة، فيما سبق أن فُرض حظر دائم على تطبيق تيليغرام بعد احتجاجات عام 2018، ما يعكس نمطًا متكررًا في إدارة السلطات لملف الفضاء الرقمي.
نظام القوائم البيضاء بديلًا عن الحجب التقليدي
يشير خبراء إلى أن الحكومة الإيرانية تعمل على تطبيق نظام يُعرف بالقائمة البيضاء، يتيح الوصول إلى الإنترنت العالمي فقط لفئات محدودة تحمل تصاريح أمنية خاصة، بينما يُجبر غالبية السكان على استخدام الشبكة الوطنية المحلية الخاضعة لرقابة مشددة.
ويمثل هذا التوجه تحولًا جذريًا عن سياسة حجب مواقع وتطبيقات محددة، نحو نموذج أوسع يُبقي قطاعات واسعة من المجتمع في حالة عزل رقمي دائم، مع قدرة السلطات على تتبع المستخدمين وحجب أي محتوى غير معتمد.
اتصال متذبذب ونظم تصفية جديدة
ومنذ استئناف جزئي للاتصال، لاحظ خبراء في كينتيك أن أنماط حركة البيانات لا تزال غير مستقرة ومتقطعة. ويرجح مدير تحليل الإنترنت في الشركة، دوغ مادوري، أن يكون السبب تركيب نظام جديد لتصفية حركة المرور الرقمية لم يصل بعد إلى مستوى الكفاءة المطلوبة.
وأفادت نت بلوكس بأن المستخدمين العاديين لا يزالون يواجهون قيودًا ثقيلة وخدمة متقطعة، رغم الزيادة في عدد الشبكات الإيرانية المتصلة بالإنترنت الدولي، في ظل العمل بنظام القوائم البيضاء.
رقابة أشد وتحكم أمني متزايد
ويرى رشيدي أن البنية التحتية اللازمة لتوسيع هذا النموذج الرقابي باتت متوفرة، مستندًا إلى تحليلات شملت رسائل إلكترونية مسربة تكشف عن خطط محتملة لتشديد الرقابة الرقمية، محذرًا من أن المستقبل قد يشهد حضورًا أكبر للأجهزة الأمنية والعسكرية في إدارة الإنترنت داخل البلاد.
الإنترنت الفضائي يغيّر المعادلة… جزئيًا
في مواجهة القيود، تحولت الرقابة الرقمية في إيران إلى صراع مستمر، حيث يمتلك المستخدمون خبرة واسعة في الالتفاف على الحجب، بحسب مهسا عليمرداني من منظمة ويتنس الحقوقية.
وتُعد خدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وعلى رأسها ستارلينك، من أبرز أدوات تجاوز الحجب، نظرًا لكونها لا تعتمد على البنية التحتية المحلية. غير أن عدد الأجهزة المهربة لا يزال محدودًا، ويُقدّر بعشرات الآلاف فقط في بلد يضم أكثر من 90 مليون نسمة.
حملات أمنية ضد مستخدمي ستارلينك
وفي المقابل، كثفت السلطات الإيرانية إجراءاتها ضد مستخدمي الإنترنت الفضائي، حيث أصبحت حيازة أجهزة ستارلينك تعرض أصحابها لعقوبات قاسية، مع تقارير عن مداهمات للمنازل والأسطح التي تُرصد عليها أجهزة استقبال.
كما سعت الحكومة إلى التشويش على الإشارات الفضائية باستخدام أدوات إلكترونية، في إطار مساعٍ لردع المواطنين عن الاستثمار في هذه التقنية المكلفة أصلًا.
أدوات تجاوز الحجب تحت الاستهداف
إلى جانب الإنترنت الفضائي، اعتمد الإيرانيون لسنوات على الشبكات الافتراضية الخاصة، إلا أن فعاليتها تراجعت بفعل الانقطاعات الشاملة، إضافة إلى تطوير أنظمة قادرة على رصد حركة هذه الشبكات وقطعها.
وأكدت شركات متخصصة أن بعض الحكومات الاستبدادية باتت تحجب تحميل تطبيقات الشبكات الافتراضية نفسها، ما يفرض تحديات إضافية أمام المستخدمين الساعين للتواصل مع العالم الخارجي.
كلفة اقتصادية رغم العزلة
ورغم أن عزلة إيران عن الاقتصاد العالمي تسهّل فرض رقابة شاملة، فإن قطع الإنترنت لا يخلو من أعباء اقتصادية داخلية، حيث تستفيد بعض الجهات من استمرار الاتصال بالإنترنت الدولي، سواء عبر بيع خدمات البيانات أو دعم أعمال الشركات المحلية.
وتشير تقديرات سابقة إلى أن انقطاع الإنترنت عام 2019 كلّف الاقتصاد الإيراني نحو 1.5 مليار دولار، فيما سجّل الانقطاع الأخير أطول فترة حجب في تاريخ البلاد الحديث، ما يعكس تصاعد كلفة سياسات العزل الرقمي على المدى الطويل.

العرب مباشر
الكلمات