العراق في مواجهة العائدين من «داعش»: عدالة صارمة أم تأهيل مشروط؟
العراق في مواجهة العائدين من «داعش»: عدالة صارمة أم تأهيل مشروط؟
بين هاجس الأمن وضغط الواقع الإقليمي، يجد العراق نفسه أمام اختبار بالغ الحساسية كيف يتعامل مع مقاتلي تنظيم «داعش» العائدين من السجون والمخيمات السورية دون أن يفتح الباب أمام موجة جديدة من العنف، في ظل تقارير استخباراتية تتحدث عن تنامٍ مقلق في أعداد عناصر التنظيم داخل سوريا، كشفت بغداد عن آلية جديدة تقوم على الفصل بين من تلطخت أيديهم بدماء العراقيين، ومن لم تثبت إدانتهم قضائيًا، هذه المقاربة، التي تجمع بين المحاكمة والتأهيل، تعكس محاولة عراقية لموازنة متطلبات العدالة مع ضرورات الاستقرار، في وقت تتقاطع فيه ملفات الإرهاب مع الانسحاب الأمريكي، والفوضى الأمنية في شمال شرق سوريا، وعجز دول عديدة عن استعادة مواطنيها المنتمين للتنظيم.
آلية حكومية جديدة
أعلنت الحكومة العراقية، عبر وزارة الخارجية، عن اعتماد آلية واضحة للتعامل مع عناصر تنظيم «داعش» الذين يتم نقلهم من سوريا إلى الأراضي العراقية، وبحسب البيان الرسمي، فإن أي عنصر لا تثبت إدانته بارتكاب جرائم داخل العراق سيُحول إلى مراكز تأهيل، بينما يحال من يثبت تورطه في أعمال إرهابية إلى القضاء العراقي، ليحاكم وفق القوانين المحلية النافذة.
وكيل وزارة الخارجية العراقية، هشام العلوي، أوضح أن أعداد عناصر «داعش» الذين تم نقلهم إلى العراق ما فهم محدود جدًا، مشيرًا إلى أن نحو 450 عنصرًا فقط جرى جلبهم حتى الآن، من أصل ما يقارب 7 آلاف محتجزين في سوريا. ولفت إلى أن بعض هؤلاء يُصنفون ضمن القيادات أو «الأمراء» داخل التنظيم.
فصل قانوني واضح
بحسب العلوي، فإن جزءًا من العناصر المنقولين يحملون الجنسية العراقية، وقد سعت بغداد خلال الفترة الماضية إلى تسريع إعادتهم. أما الغالبية العظمى من المحتجزين في السجون السورية، فما زالوا من جنسيات أجنبية متعددة، ولم يتم نقلهم إلى العراق حتى الآن.
تعتمد المقاربة العراقية على مبدأ قانوني فاصل: كل من ارتكب جرائم داخل الأراضي العراقية يخضع للمحاكمة أمام القضاء العراقي، بغض النظر عن جنسيته. أما من لم يثبت تورطه في جرائم داخل العراق، فيُفترض أن تتحمل دولته الأصلية مسؤولية استعادته والتعامل معه وفق قوانينها الوطنية.
ناقوس خطر أمني
يشير المسؤول العراقي إلى أن أكثر من 40 جنسية ممثلة داخل السجون والمخيمات السورية التي تضم عناصر «داعش» وأسرهم، وعلى الرغم من مطالبات بغداد المتكررة لتلك الدول بتحمل مسؤولياتها، فإن الاستجابة – بحسب العلوي – كانت ضعيفة ومحدودة في معظم الحالات.
يأتي هذا التحرك العراقي في ظل تحذيرات رسمية من تنامي خطر عودة تنظيم «داعش»، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني والإقليمي، وتؤكد بغداد أن التنظيم يسعى، مستفيدًا من الفوضى السورية، إلى إيجاد موطئ قدم جديد لشن هجمات عابرة للحدود.
أرقام استخباراتية مقلقة
في تصريحات سابقة، حذر رئيس جهاز المخابرات العراقي، حامد الشاطري، من «نمو كبير ومقلق» في أعداد مقاتلي التنظيم داخل سوريا، وأشار إلى أن التقديرات الاستخباراتية العراقية رصدت ارتفاع عددهم من نحو ألفي مقاتل إلى قرابة عشرة آلاف خلال عام واحد، وهو رقم لم يتم التحقق منه بشكل مستقل، في المقابل، قدّم تقرير حديث لمجلس الأمن الدولي تقديرًا أكثر تحفظًا، إذ قدّر عدد عناصر «داعش» في سوريا والعراق مجتمعين بنحو ثلاثة آلاف عنصر حتى أغسطس الماضي، ما يعكس فجوة واضحة بين التقديرات الميدانية والاستخباراتية المختلفة.
فوضى السجون والمخيمات
التطورات الأمنية الأخيرة في شمال شرق سوريا، ولا سيما مع تقدم القوات الحكومية السورية وسيطرتها على مناطق كانت خاضعة لـ«قسد»، زادت من حدة المخاوف العراقية، فقد ترافقت هذه العمليات مع اضطرابات داخل السجون والمخيمات، ما أتاح فرار عدد من عناصر التنظيم إلى المناطق الصحراوية.
ردًا على هذه المخاطر، سارعت بغداد إلى نشر آلاف الجنود، إلى جانب عناصر من الفصائل المسلحة، لتعزيز الشريط الحدودي الطويل مع سوريا، في محاولة لمنع تسلل المقاتلين واحتواء أي تهديد محتمل.
بحسب الشاطري، فإن جزءًا من الزيادة في أعداد مقاتلي «داعش» يعود إلى انشقاقات من فصائل مسلحة أخرى، بعضها كان مرتبطًا سابقًا بتنظيم القاعدة أو جبهة النصرة، إضافة إلى تجنيد عناصر من عشائر عربية في مناطق سنّية شمال شرقي سوريا.
توترات داخلية
كما أشار إلى وجود توترات متصاعدة بين المقاتلين الأجانب والقوات الحكومية السورية، خاصة بعد تنفيذ حملات اعتقال واسعة، ما دفع بعض العناصر إلى الانسحاب أو إعادة التموضع في مناطق نائية.
ورغم هذه المؤشرات، يرى بعض الخبراء أن التنظيم لم يستعد بعد قدراته العملياتية السابقة. الباحث المتخصص في شؤون التنظيمات المتطرفة، عروة عجوب، يؤكد أن «داعش» يستغل الفراغ الأمني، لكنه ما يزال يعتمد على هجمات محدودة من نمط «الكر والفر».
من جهته، يرى الفريق الركن عبد الوهاب السعيدي، القائد السابق لقوات مكافحة الإرهاب العراقية، أن التنظيم اليوم «مجرد ظل لما كان عليه»، بعد تفكيك بنيته القيادية وتجفيف معظم مصادر تمويله، ورغم هذا التقييم، يقرّ مسؤولون عراقيون بوجود قلق حقيقي من محاولات «داعش» إعادة تنظيم صفوفه، خاصة في ظل الانسحاب التدريجي للقوات الأمريكية، وما قد يخلّفه من فراغ أمني في بعض المناطق الحساسة، يتزامن هذا المشهد مع مغادرة آخر القوات الأمريكية قاعدة عين الأسد في الأنبار، وانحسار الوجود الأمريكي في قاعدة واحدة بأربيل، على أن ينتهي الوجود العسكري الأمريكي بالكامل بنهاية العام الجاري.

العرب مباشر
الكلمات