ترتيبات ما قبل العاصفة.. كيف تحاصر الولايات المتحدة إيران عسكريًا؟

ترتيبات ما قبل العاصفة.. كيف تحاصر الولايات المتحدة إيران عسكريًا؟

ترتيبات ما قبل العاصفة.. كيف تحاصر الولايات المتحدة إيران عسكريًا؟
الأسطول الأمريكي

في لحظة إقليمية مشحونة تتداخل فيها حسابات الردع مع احتمالات الانفجار الواسع، تعود لغة القوة إلى صدارة المشهد بين واشنطن وطهران فمع تعثر مسار التفاوض حول البرنامج النووي الإيراني وتنامي القلق الأمريكي من وتيرة تطوير الصواريخ الباليستية، بدأت الولايات المتحدة في رسم ملامح تموضع عسكري غير مسبوق في الشرق الأوسط، يوحي بأن الخيار العسكري لم يعد مجرد ورقة ضغط سياسية، بل احتمالًا مدروسًا على طاولة الرئيس دونالد ترامب، هذا الحشد لا يقتصر على استعراض رمزي للقوة، بل يعكس استعدادًا عمليًا لشن عمليات قادرة على ضرب العمق الإيراني، وفي الوقت نفسه تحصين القواعد الأمريكية وحلفائها ضد أي رد انتقامي محتمل، من حاملات الطائرات إلى أنظمة الدفاع الجوي، ومن القاذفات الشبحية إلى شبكات الاستطلاع والاتصال، تتحرك آلة عسكرية معقدة في مسرح عمليات مفتوح، حيث الخطأ في الحساب قد يشعل مواجهة إقليمية واسعة النطاق.

انتشار عسكري

تشير المعطيات المتاحة من مصادر مفتوحة، إلى أن الجيش الأمريكي دخل مرحلة متقدمة من إعادة الانتشار العسكري في الشرق الأوسط، في توقيت يتزامن مع تصعيد غير مسبوق في خطاب البيت الأبيض تجاه إيران فالإدارة الأمريكية، التي ترى أن طهران تستغل الوقت لتعزيز قدراتها النووية والصاروخية، اختارت الرد عبر توسيع مظلة الردع العسكري، بدل الاكتفاء بالضغوط الدبلوماسية.

أبرز ملامح هذا التمركز يتمثل في النشاط الكثيف لطائرات النقل العسكري الاستراتيجي، وعلى رأسها طرازات C-17 وC-5، التي نفذت عشرات الرحلات إلى قواعد أمريكية منتشرة في الخليج والشرق الأوسط، هذه الطائرات، القادرة على نقل معدات ثقيلة وأنظمة قتالية معقدة، تعكس حجم الاستعداد اللوجستي لعمليات طويلة الأمد، لا مجرد تحركات طارئة، بحسب سي إن إن.

ترسانة مخيفة


التحول الأبرز جاء مع تمركز مجموعة حاملة الطائرات الضاربة أبراهام لينكولن في شمال بحر العرب، وهي خطوة تحمل دلالات عسكرية وسياسية بالغة، فالحاملة لا تعمل بمفردها، بل تقود منظومة قتالية متكاملة تضم مدمرات صواريخ موجهة وجناحًا جويًا متطورًا، يشمل مقاتلات إف/إيه-18 سوبر هورنت، ومقاتلات الجيل الخامس إف-35 سي، إلى جانب طائرات الحرب الإلكترونية غراولر المصممة لتعطيل أنظمة الرادار والاتصال المعادية.

إلى جانب مجموعة لينكولن، تنتشر في المنطقة مدمرات صاروخية إضافية، تعمل بشكل مستقل، ما يوسع نطاق القدرة الأمريكية على تنفيذ ضربات دقيقة بعيدة المدى. هذه المدمرات قادرة على إطلاق صواريخ توماهوك المجنحة، التي يصل مداها إلى نحو ألف ميل، ما يجعل معظم الأراضي الإيرانية ضمن دائرة الاستهداف المحتمل.

في البعد البحري أيضًا، تحتفظ الولايات المتحدة بسفن مخصصة لمهام إزالة الألغام البحرية، متمركزة في البحرين، في رسالة واضحة مفادها أن واشنطن تأخذ على محمل الجد احتمال لجوء إيران إلى إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة عبر نشر الألغام.

وعلى مستوى الدفاع، كثفت واشنطن نشر أنظمة الدفاع الجوي المتقدمة، وعلى رأسها منظومات “ثاد” و”باتريوت”، التي ظهرت مؤخرًا في قاعدة العديد الجوية بقطر.

 هذه الأنظمة تمثل خط الدفاع الأول ضد أي هجمات صاروخية أو بطائرات مسيرة قد تستهدف القواعد الأمريكية أو دول الخليج في حال اندلاع مواجهة مباشرة.

منظومات للقيادة


التعزيزات لم تقتصر على العتاد، بل شملت أيضًا منظومات القيادة والسيطرة، فقد وصلت طائرة E-11A، المصممة للعمل كنظام اتصالات عالي الارتفاع، لتنسيق العمليات المعقدة بين القوات الجوية والبرية والبحرية.

 كما تم نشر طائرات معدلة لمهام البحث والإنقاذ القتالي، تحسبًا لسيناريوهات إسقاط طائرات أو فقدان طيارين في بيئات معادية، وفقًا لـ"سي إن إن".

في الجو، يستمر نشاط مكثف لطائرات الاستطلاع والمراقبة، بما في ذلك الطائرات المسيرة وطائرات RC-135 المتخصصة في جمع الإشارات الإلكترونية ورصد أي مؤشرات غير تقليدية، مثل الانبعاثات المشعة. 

هذه الطلعات، التي تحلق بشكل شبه دائم فوق مضيق هرمز والخليج العربي، تهدف إلى توفير صورة استخباراتية دقيقة وفورية لأي تحرك إيراني.

كما كشفت تحركات طائرات التزود بالوقود عبر الأطلسي عن انتقال مقاتلات متقدمة، بينها طائرات إف-35، إلى قواعد أوروبية كنقاط عبور، في مؤشر على مرونة الشبكة العسكرية الأمريكية وقدرتها على نقل القوة الجوية بسرعة بين المسارح المختلفة.

سيناريو حرب الـ 12 يوم


ويعيد هذا الحشد إلى الأذهان سيناريو يونيو 2025، حين نفذت قاذفات B-2 الشبحية مهمة عابرة للقارات استهدفت منشآت نووية إيرانية، بدعم من غواصات صواريخ موجهة. اليوم، تظل هذه القدرات حاضرة، مع وجود غواصات أمريكية من طراز “أوهايو” المعدلة، القادرة على إطلاق عشرات صواريخ توماهوك من مواقع غير معلنة.

في المحصلة، يبدو أن واشنطن تسعى إلى تحقيق معادلة مزدوجة، القدرة على توجيه ضربة ساحقة وسريعة إذا صدر القرار السياسي، وفي الوقت نفسه بناء درع دفاعي قادر على امتصاص أي رد إيراني، سواء كان مباشرًا أو عبر حلفاء طهران في المنطقة، مع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا، هل هذا الحشد يهدف إلى فرض تسوية بشروط القوة، أم أنه مقدمة لمواجهة قد تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط؟