الفرصة الأخيرة قبل العاصفة.. هل تنقذ الدبلوماسية المنطقة من حرب شاملة؟
الفرصة الأخيرة قبل العاصفة.. هل تنقذ الدبلوماسية المنطقة من حرب شاملة؟
في لحظة إقليمية مشحونة تتداخل فيها حسابات القوة مع رهانات الدبلوماسية، يعود الملف الأميركي–الإيراني إلى واجهة المشهد بوصفه اختبارًا حاسمًا لقدرة السياسة على كبح شبح الحرب، بين حشود عسكرية أميركية تتزايد في الشرق الأوسط ورسائل متبادلة عبر قنوات خلفية، تتشكل معادلة دقيقة عنوانها، التفاوض أو المواجهة، إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي عُرفت بسياساتها الصدامية تجاه طهران، تبدو اليوم وكأنها تفتح نافذة أخيرة للحوار، ولو من موقع القوة،. في المقابل، تتحرك عواصم إقليمية بثقل دبلوماسي متنام أنقرة والقاهرة والدوحة لترميم جسور الثقة ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة قد تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة، هذا الحراك، الذي يوصف في الكواليس بـ الفرصة الأخيرة، يعكس إدراكًا جماعيًا بأن أي فشل جديد في إدارة هذا الملف قد يشعل حربًا إقليمية يصعب احتواؤها.
العصا والجزرة
تشير معطيات دبلوماسية متقاطعة إلى أن واشنطن أرسلت، خلال الأسابيع الأخيرة، رسائل متعددة إلى طهران تعبّر فيها عن استعدادها للدخول في مسار تفاوضي مباشر، في محاولة لإعادة إحياء قنوات الحوار المتوقفة منذ سنوات، هذه الرسائل، التي نقلت عبر وسطاء إقليميين ودوليين، تأتي في وقت حساس يتزامن مع تصعيد عسكري أميركي لافت في الشرق الأوسط، ما يضفي على المبادرة طابعًا مزدوجًا يجمع بين العصا والجزرة.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن إدارة ترامب لم تغلق الباب أمام الخيار العسكري، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى اختبار ما إذا كانت الضغوط القصوى قادرة على دفع إيران إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة، هذا التوازن الدقيق بين الردع والدبلوماسية يعكس مقاربة مألوفة للرئيس الأميركي، الذي لطالما فضّل التفاوض من موقع القوة، مع ترك كل السيناريوهات مفتوحة.
سباق مع الزمن
في هذا السياق، برز دور ثلاث دول إقليمية تركيا ومصر وقطر كوسطاء محتملين في مسعى لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، هذه الدول -التي راكمت خبرة تفاوضية خلال الأشهر الماضية، لا سيما في ملف وقف إطلاق النار في غزة- تسعى اليوم إلى توظيف علاقاتها المتشعبة مع واشنطن وطهران لاحتواء التصعيد، وتفيد المعلومات بأن هناك جهودًا حثيثة لترتيب لقاء في العاصمة التركية أنقرة، قد يجمع مبعوث البيت الأبيض الخاص ستيف ويتكوف بمسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى، في حال تهيأت الظروف السياسية والأمنية.
أحد المسؤولين في الدول الوسيطة وصف المساعي الجارية بأنها سباق مع الزمن، مشيرًا إلى أن أي تأخير إضافي قد يجعل خيار الحرب أكثر ترجيحًا.
وأضاف: أن العواصم الثلاث تدرك حجم المخاطر المترتبة على انهيار المسار الدبلوماسي، ليس فقط على أمن الخليج، بل على مجمل توازنات الشرق الأوسط، من لبنان إلى اليمن.
من جهته، يؤكد البيت الأبيض، أن الرئيس ترامب لم يتخذ قرارًا نهائيًا بشأن توجيه ضربة عسكرية لإيران، وأنه ما يزال منفتحًا على الحلول السياسية إذا ما أبدت طهران استعدادًا حقيقيًا لتقديم تنازلات، خصوصًا في ما يتعلق ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي، هذا الموقف يعكس إدراكًا أميركيًا بأن أي مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران ستكون مكلفة، وقد تستدرج ردود فعل من حلفاء طهران في أكثر من ساحة.
في المقابل، تبعث التصريحات الصادرة من طهران بإشارات متباينة. فبينما تحدث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عن جهود مثمرة تبذلها دول صديقة لبناء الثقة مع واشنطن، مؤكدًا إمكانية استئناف المحادثات إذا التزمت الولايات المتحدة باتفاق عادل ومنصف، جاء خطاب المرشد الأعلى علي خامنئي ليعيد نبرة التحدي إلى الواجهة.
خامنئي حذّر بلهجة صارمة من أن أي حرب تشنها الولايات المتحدة ضد إيران لن تبقى محدودة، بل ستتحول إلى نزاع إقليمي واسع، من دون أن يتطرق صراحة إلى مساعي الوساطة الجارية.
سيناريوهات المواجهة
هذا التباين في الخطاب الإيراني قد يعكس صراعًا داخليًا بين تيارين، أحدهما يرى في التفاوض ضرورة لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية، والآخر يعتبر أي تنازل بمثابة مساس بهيبة النظام، وفي كل الأحوال، تبدو طهران حريصة على عدم الظهور بمظهر الطرف الضعيف، حتى وهي تبقي الباب مواربًا أمام الدبلوماسية.
إلى جانب ذلك، تبرز إسرائيل كعامل مؤثر في حسابات التصعيد والتهدئة. فقد كشفت تقارير عن زيارة غير معلنة لرئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير إلى واشنطن، حيث ناقش مع مسؤولين أميركيين سيناريوهات محتملة لمواجهة عسكرية مع إيران.
هذا التنسيق يعكس قلقًا إسرائيليًا متزايدًا من أي اتفاق قد يُبقي على قدرات نووية إيرانية، حتى ضمن إطار رقابي.
في المحصلة، يقف الملف الأميركي الإيراني عند مفترق طرق حاسم، فإما أن تنجح الوساطات الإقليمية في انتزاع لحظة تفاوضية جديدة، تجنب المنطقة حربًا شاملة، أو أن تتغلب لغة القوة، لتدخل المنطقة مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، وبين هذين الخيارين، تبدو الأيام المقبلة حاسمة في رسم ملامح المشهد الإقليمي للسنوات القادمة.

العرب مباشر
الكلمات