من هو رضا بهلوي.. أمير المنفى الذي يطرق أبواب مستقبل إيران

من هو رضا بهلوي.. أمير المنفى الذي يطرق أبواب مستقبل إيران

من هو رضا بهلوي.. أمير المنفى الذي يطرق أبواب مستقبل إيران
رضا بهلوي

في ضاحية أميركية هادئة، بعيدًا آلاف الكيلومترات عن طهران، يعيش رجل وُلد ليكون شاهًا، ثم استيقظ ذات صباح ليجد أن العرش تبخّر والوطن أُغلق في وجهه، منذ أكثر من أربعة عقود، يسير رضا بهلوي في منطقة رمادية بين التاريخ والسياسة، ليس ملكًا، ولا زعيمًا منتخبًا، بل ظلٌّ ثقيل لمرحلة لم تُغلق بعد في الوعي الإيراني، كل موجة احتجاج تعيد اسمه إلى الواجهة، وكل ارتجاج في الداخل يمنحه فرصة جديدة ليقول: أنا هنا، لكن السؤال الذي يطارده منذ 1979 ما يزال بلا جواب، هل يستطيع رجل المنفى أن يصبح جسرًا إلى المستقبل، لا عودةً إلى الماضي؟


ابن القصر الذي استيقظ في المنفى

وُلد رضا بهلوي في قلب السلطة، لا بوصفه طفلًا عاديًا، بل وريثًا مفترضًا لعرش إمبراطوري عمره قرون، منذ سنواته الأولى، جرى إعداد مساره بعناية، تعليم خاص، بروتوكولات صارمة، وتكوين نفسي يقوم على فكرة واحدة، هذا الفتى سيحكم إيران، لكن التاريخ كان يخبئ مفاجأة قاسية.

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان الشاب يتدرّب في الولايات المتحدة كطيار مقاتل، حين انفجرت الثورة الإسلامية في طهران، خلال أسابيع، انهار نظام والده، محمد رضا شاه، وبدأت رحلة الهروب، من بعيد، شاهد الابن والده يتنقّل بين العواصم باحثًا عن مأوى، قبل أن ينتهي به المطاف في القاهرة حيث توفي بالسرطان. فجأة، صار ولي العهد بلا عرش، وبلا وطن، وبلا جنسية.

المنفى لم يكن جغرافيًا فقط، بل نفسيًا أيضًا، العائلة التي كانت في قلب السلطة وجدت نفسها معزولة، تعتمد على شبكة متناقصة من أنصار الملكية.

وتتابعت الضربات، انتحار شقيقته ثم شقيقه الأصغر، ليصبح رضا رأسًا وحيدًا لسلالة يظن كثيرون أنها دُفنت مع سقوط الشاه. تلك الخسارات المتراكمة شكّلت شخصيته السياسية اللاحقة: حذرٌ من العنف، متوجس من الانقلابات، ومهووس بفكرة “الانتقال الآمن” التي حُرم منها وهو في السابعة عشرة.

من ظلّ التاريخ إلى محاولة القيادة


على مدى عقود، عاش بهلوي في الولايات المتحدة حياة تبدو للوهلة الأولى عادية، دراسة للعلوم السياسية، زواج من ياسمين – محامية أميركية من أصل إيراني – وإنجاب ثلاث بنات.

كان يقدّم نفسه بوصفه إيرانيًا في المنفى، لا شاهًا في الانتظار. 

حتى حين سُئل عام 2022 عمّا إذا كان قائدًا لحركة الاحتجاج، أجاب ببساطة: "التغيير يجب أن يأتي من الداخل".

لكن السنوات الأخيرة شهدت تحوّلًا في نبرته، الاحتجاجات المتكررة داخل إيران، ومقتل مهسا أميني، ثم الضربات الإسرائيلية التي هزّت بنية النظام، دفعت به إلى مساحة أكثر جرأة.

في مؤتمر بباريس عام 2025، أعلن استعداده للمساعدة في قيادة مرحلة انتقالية إذا انهارت الجمهورية الإسلامية، وطرح خطة من مئة يوم لإدارة مؤقتة. لم يعد يتحدث كرمز بعيد، بل كفاعل محتمل في لحظة انهيار.

هذا التحوّل لم يكن إعلان ملكية مقنّعًا، بل محاولة لإعادة تعريف الدور: لا عودة إلى التاج، بل عبور نحو صندوق الاقتراع. يكرر أن مهمته ليست استعادة الماضي، بل استكمال ما لم يكتمل، بناء دولة تتيح للإيرانيين اختيار شكل الحكم بأنفسهم. 

ومع ذلك، يظل إرث العائلة حاضرًا بقوة، فالبعض يستحضر عهد الشاه كمرحلة تحديث وانفتاح، فيما يتذكره آخرون بوصفه زمن الرقابة والقمع، وبين الروايتين، يقف الابن محاولًا إقناع جيل لم يعش الملكية بأن اسمه لا يعني العودة إليها.

مستقبل معلّق


يحمل رضا بهلوي مفارقة صعبة: هو أكثر شخصيات المعارضة الإيرانية شهرة في الخارج، لكنه الأقل تجذّرًا تنظيميًا في الداخل، محاولاته لتوحيد قوى المنفى، مثل تأسيس المجلس الوطني للانتخابات الحرة، اصطدمت بخلافات مزمنة بين المعارضين وبفجوة هائلة مع الداخل الإيراني.

 وعلى عكس جماعات أخرى، يرفض العنف ويبتعد عن الفصائل المسلحة، متمسكًا بخطاب الانتقال السلمي والاستفتاء الوطني.

غير أن هذه المثالية تُقرأ أحيانًا بوصفها ضعفًا، منتقدوه يسألون: ماذا قدّم خلال أربعة عقود غير الخطاب، أين التنظيم، أين الإعلام المستقل، وأين القاعدة الشعبية داخل البلاد، زادت زيارته لإسرائيل عام 2023 من حدّة الاستقطاب. 

فبينما رآها بعض الإيرانيين خطوة براغماتية، اعتبرها آخرون استعداءً لعمق إقليمي حساس. ثم جاءت تصريحاته بعد الضربات الإسرائيلية لتفتح بابًا أوسع للجدل، حين قال إن أي شيء يضعف النظام قد يرحّب به كثيرون في الداخل.

اليوم، يقدّم بهلوي نفسه كجسر للمصالحة الوطنية، لا كملك مقنّع. يعد بانتخابات حرة، وسيادة قانون، ومساواة في الحقوق، تاركًا للإيرانيين تقرير مصير النظام. لكن معضلة الثقة تظل قائمة: هل يستطيع رجل عاش معظم حياته في الخارج أن يفهم إيقاع الداخل المنهك، وهل يقبل الإيرانيون استبدال سلطة غير منتخبة بزعامة منفية، مهما حملت من وعود ديمقراطية.

بين قبر أب في القاهرة، وبلد لم يطأه منذ مراهقته، يقف رضا بهلوي في منطقة بين زمنين، ليس بطلًا ولا شبحًا بالكامل، هو نتاج تاريخ لم يُحسم، وصوت يحاول أن يجد مكانه في حاضر مضطرب، وفي بلد ما يزال يصارع ماضيه، يبقى السؤال مفتوحًا، هل سيكون بهلوي جسر العبور إلى إيران أخرى، أم مجرد شاهد أخير على عرش سقط ولم يعد؟