ما بين تجنب الضربة الأولى والعروض الاقتصادية.. انطلاق المفاوضات الأمريكية الإيرانية
ما بين تجنب الضربة الأولى والعروض الاقتصادية.. انطلاق المفاوضات الأمريكية الإيرانية
تنطلق اليوم الجولة الثالثة للمفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف، في ظل تصاعد الضغوط السياسية والأمنية في المنطقة.
وأكدت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، أنه في ظل هذه التطورات تتحرك طهران لطرح مسار بديل يقوم على الاقتصاد والاستثمار، عبر تقديم مبادرة واسعة تستهدف جذب شركات أميركية إلى قطاعات حيوية داخل السوق الإيرانية، في محاولة لإعادة ضبط العلاقة مع واشنطن واحتواء التوتر المرتبط بالملف النووي، وسط مخاوف متزايدة من تحول الأزمة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
وتتزامن هذه التحركات مع جولة جديدة من الاتصالات غير المباشرة بين الجانبين، تُدار في أجواء دبلوماسية دقيقة يسعى خلالها الطرفان إلى اختبار فرص التوصل إلى تفاهمات مرحلية قبل الوصول إلى نقطة مفصلية في مسار العلاقة المتأزمة بينهما.
رهان على الاقتصاد لتغيير المعادلة السياسية
ترى دوائر قريبة من مسار الاتصالات، أن القيادة الإيرانية تعتقد بقدرة الحوافز الاقتصادية على التأثير في حسابات الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل اهتمام الإدارة الأميركية بالمردود الاستثماري والفرص التجارية، لا سيما في مجالات الطاقة التي تمتلك فيها إيران ثقلاً عالميًا ومخزونًا كبيرًا غير مستغل.
وتقوم المبادرة الإيرانية على إتاحة المجال أمام دخول استثمارات أميركية مباشرة إلى قطاعات النفط والغاز، إضافة إلى مشاريع التعدين والمعادن الاستراتيجية، ضمن تصور أوسع قد يفتح الباب أمام تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية التي أرهقت الاقتصاد الإيراني وقلّصت قدرته على استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية.
أوراق طاقة تضيف ثقلاً تفاوضيًا
وتستند طهران في هذا المسار إلى موقعها المتقدم في خريطة الطاقة العالمية، باعتبارها من الدول الكبرى من حيث احتياطيات النفط والغاز، إضافة إلى موقعها الجغرافي المؤثر في أسواق الطاقة الإقليمية والدولية، وهو ما يمنحها هامشًا أوسع للمناورة في أي مفاوضات مع القوى الكبرى.
في المقابل، تعكس المواقف الصادرة من واشنطن حذرًا واضحًا، إذ تشير إلى أن الطرح الاقتصادي لم يتحول بعد إلى بند رسمي على طاولة المفاوضات، بينما ما يزال الاهتمام الأميركي منصبًا على ضمان عدم امتلاك إيران قدرة عسكرية نووية، باعتبار ذلك جوهر الخلاف القائم.
تخصيب اليورانيوم خط أحمر إيراني
وتؤكد طهران تمسكها بحقها في تخصيب اليورانيوم، معتبرة أن هذا الحق مكفول ضمن الأطر القانونية الدولية، وتضعه ضمن الثوابت التي لا يمكن التراجع عنها، رغم وجود تقديرات دبلوماسية تشير إلى إمكانية القبول بتفاهمات وسطية إذا جاءت ضمن اتفاق شامل ومتوازن.
تراجع أمريكي عن فكرة توجيه ضربة عسكرية لإيران
بالتوازي مع المسار الاقتصادي، تكشف نقاشات داخل الإدارة الأميركية عن تراجع في الحماس لفكرة توجيه ضربة عسكرية مباشرة لإيران في المرحلة الحالية، في ظل مخاوف من ردود فعل داخلية ورفض شعبي لتحمل كلفة بشرية مرتفعة.
وتشير هذه النقاشات إلى تفضيل أن تبادر إسرائيل بأي تحرك عسكري، باعتبار أن ذلك قد يغير المزاج العام داخل الولايات المتحدة ويمهد لتأييد أوسع لأي تدخل لاحق، إذا ما تطورت الأحداث إلى مواجهة أوسع.
وتأخذ هذه الحسابات في الاعتبار مخاطر استنزاف المخزون العسكري الأميركي، وانعكاسات ذلك على أولويات استراتيجية أخرى، إضافة إلى احتمال سقوط خسائر بشرية في حال اتساع نطاق العمليات، وهو ما يمثل عبئًا سياسيًا كبيرًا على صانعي القرار في واشنطن.
حشد عسكري ورسائل ردع
وفي الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط عبر إرسال قوات ومعدات متقدمة، في خطوة تعكس استعدادًا لخيارات متعددة، لكنها تحمل أيضًا رسائل ردع وضغط سياسي في آن واحد.
وتبقى كل السيناريوهات مطروحة، من ضربات محدودة تستخدم كورقة ضغط تفاوضية، إلى عمليات أوسع قد تستهدف البنية العسكرية والنووية الإيرانية، مع إدراك واسع بأن أي تصعيد من هذا النوع قد يمتد زمنيًا وتكون نتائجه غير مضمونة.
انقسام داخلي أميركي حول المسار الأمثل
وتبرز داخل المؤسسات الأميركية حالة من التباين بشأن كيفية التعامل مع الملف الإيراني، بين من يرى ضرورة التحرك العسكري، ومن يدعو إلى منح المسار الدبلوماسي والاقتصادي فرصة أطول، في ظل غياب إجماع واضح داخل الكونغرس.
وفي ختام المشهد، تواصل إيران التأكيد على أن برنامجها النووي ذو طبيعة سلمية، وترفض الاتهامات بالسعي إلى امتلاك سلاح نووي، في وقت تبقى فيه الشكوك الأميركية قائمة، ما يترك مستقبل الأزمة مفتوحًا على مسارات متعددة تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والأمن.

العرب مباشر
الكلمات