ألف يوم من النزيف.. كيف أعادت الحرب رسم خريطة السودان؟

ألف يوم من النزيف.. كيف أعادت الحرب رسم خريطة السودان؟

ألف يوم من النزيف.. كيف أعادت الحرب رسم خريطة السودان؟
الحرب السودانية

حين أشرقت شمس اليوم الألف للحرب في السودان، لم يكن المشهد مجرد رقم عابر في تقويم الكارثة، بل شهادة دامغة على دولة تُستنزف ببطء أمام أنظار العالم، ألف يوم من القصف، والنزوح، والجوع، وانهيار المدن، وتفكك المجتمع، صنعت واقعًا جديدًا لا يشبه السودان الذي عرفه أبناؤه قبل أبريل 2023، في هذا الزمن الثقيل، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين جيشين، بل تحولت إلى معركة وجود تهدد فكرة الدولة نفسها، وسط هذا الركام، تتصاعد أصوات مدنية سودانية وهيئات دولية، متهمةً تنظيم الإخوان بلعب دور محوري في إشعال الصراع وإدامته، عبر دفع البلاد نحو العسكرة وقطع الطريق أمام التحول المدني.

نزيف مفتوح

منذ منتصف أبريل 2023، يعيش السودان واحدة من أطول الحروب وأكثرها تدميرًا في تاريخه الحديث، وخلال ألف يوم، تحولت المواجهة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع إلى نزيف مفتوح، أودى بحياة ما بين 150 و200 ألف شخص، وفق تقديرات غير رسمية، بمعدل يقارب 200 قتيل يوميًا.

لكن الأرقام، مهما بلغت قسوتها، لا تختصر حجم المأساة التي تمددت من المدن الكبرى إلى الأقاليم الطرفية، وأعادت رسم خريطة البلاد سياسيًا واجتماعيًا وإنسانيًا.

في الأسابيع الأولى لاندلاع القتال، بدأت تظهر إلى العلن مقاطع مصورة وتصريحات منسوبة لقيادات في تنظيم الإخوان، تتحدث بوضوح عن "حتمية الحرب" وضرورة "الحسم العسكري"، في وقت كانت فيه البلاد على مفترق طرق بين الانتقال المدني واستعادة الحكم العسكري الكامل.

لاحقًا، ظهرت تسجيلات لضباط في الجيش يعترفون بإطلاق الرصاصة الأولى في محيط المدينة الرياضية جنوب الخرطوم، ما عزز سردية القوى المدنية التي ترى أن الحرب لم تكن انفجارًا عشوائيًا، بل نتيجة قرار سياسي – أمني مُسبق.

اليوم، وبعد ألف يوم من القتال، تبدو البلاد مقسمة بحكم الأمر الواقع قوات الدعم السريع تفرض سيطرتها الكاملة على إقليم دارفور، بينما يهيمن الجيش على المناطق الشرقية والشمالية والوسطى، في حين تبقى كردفان ساحة صراع مفتوح يتقاسم فيها الطرفان النفوذ.

هذا التشظي الجغرافي يعكس تفككًا أعمق في النسيج الاجتماعي، حيث انتشر خطاب الكراهية والانقسام المناطقي والعرقي بصورة غير مسبوقة.

المأساة الإنسانية


تزامن بلوغ الحرب يومها الألف مع إعلان المجموعة الرباعية – الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، ومصر – عن خطة سياسية حظيت بتأييد أكثر من 116 دولة في سبتمبر 2025.

الخطة تهدف إلى وقف إطلاق النار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق مسار سياسي يعيد الحكم المدني. غير أن هذه المبادرة واجهت عقبات كبيرة، أبرزها رفض قوى مرتبطة بتنظيم الإخوان داخل معسكر الجيش لأي مسار يقلص نفوذها أو ينهي اقتصاد الحرب الذي ترسخ خلال الصراع.

على الأرض، تتفاقم المأساة الإنسانية إلى مستوى وصفته الأمم المتحدة بأنه "الأكبر في العالم". نحو 15 مليون سوداني أُجبروا على الفرار من منازلهم، فيما يواجه نصف سكان البلاد – البالغ عددهم نحو 48 مليونًا – خطر الجوع. 

المستشفيات خرجت من الخدمة، شبكات المياه والصرف الصحي انهارت، والأوبئة تنتشر في مخيمات نزوح مكتظة لا تتوافر فيها أدنى مقومات الحياة.

تحالف "صمود"، الذي يضم أكثر من مئة كيان مدني ومهني، يرى أن ما يجري ليس مجرد حرب بين قوتين مسلحتين، بل نتيجة مسار طويل من تخريب السياسة عبر العسكرة.

 ويؤكد قياديون فيه أن تنظيم الإخوان لعب دورًا محوريًا في دفع البلاد نحو هذا السيناريو، بهدف قطع الطريق أمام أي تحول ديمقراطي حقيقي.

جهود دولية


اللجنة الدولية للإنقاذ وضعت السودان للعام الثالث على التوالي في صدارة قائمة المراقبة الطارئة، معتبرة أن الصراع تحول إلى "كارثة إنسانية شاملة" تميزت بنزوح جماعي ومجاعة وعنف واسع النطاق.

 أما المجلس النرويجي للاجئين، فوصف ما يحدث بأنه "لحظة عار جماعية"، حيث يُترك ملايين البشر لمصيرهم في ظل تقاعس دولي واضح.

في هذا السياق، تتزايد المطالب داخل السودان وخارجه بتصنيف تنظيم الإخوان كجماعة إرهابية، باعتباره – وفق القوى المدنية – أحد أبرز معرقلي السلام.

مبادرات مدنية، من بينها "الأعلام البيضاء"، تؤكد أن الوصول إلى سلام دائم يستحيل دون تفكيك البنية السياسية والفكرية التي غذّت الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن إشعالها.

مذكرة وقعتها أحزاب ومنظمات مجتمع مدني وأكاديميون ودبلوماسيون سابقون دعت إلى توحيد الجهود خلف مبادرة الرباعية، باعتبارها الإطار الواقعي الوحيد المتاح لوقف النزيف. 

وتطالب هذه القوى بحراك مدني ضاغط لإجبار طرفي الصراع على قبول هدنة إنسانية فورية، وفتح الممرات، والعودة إلى مسار سياسي مدني.

من جانبه، يقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي السوداني، كمبال عبدالواحد، أن قرار الحرب لم يكن يومًا بيد الشعب ولا القوى المدنية، بل احتُكر منذ البداية لدى طرفين مسلحين ينظران إلى الصراع كوسيلة للسلطة والثروة، ويؤكد أن تحميل المجتمع مسؤولية حرب لا يملك مفاتيحها هو شكل من أشكال الظلم وإعادة إنتاج الإفلات من المحاسبة.

 

وأشار عبد الواحد في حديثه لـ"العرب مباشر"، إلى ضرورة وجود خطاب سياسي جديد يربط بين الديمقراطية والأمن الوطني وبناء الدولة، بدل التعامل معها كمسارات منفصلة، وإلى إشراك القيادات الأهلية والنقابية باعتبارها عناصر استقرار لا يمكن تجاوزها، كما يحمل القوات المسلحة وقوات الدعم السريع المسؤولية المباشرة عن الدمار، مطالبًا بوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، وحماية المدنيين، والقبول بمسار يفضي إلى جيش وطني واحد وإنهاء اقتصاد الحرب.

 

بعد ألف يوم، لم تعد الحرب مجرد حدث عابر في تاريخ السودان، بل اختبارًا قاسيًا لمعنى الدولة والهوية والمستقبل. وبين ركام المدن ومخيمات النزوح، يتبلور وعي جديد: لا خلاص بلا محاسبة، ولا سلام بلا كسر دائرة العسكرة، ولا مستقبل في ظل تعدد الجيوش وتسييس السلاح.