الحقيقة الكاملة.. رويترز تدحض اتهامات بورتسودان لـ الإمارات
الحقيقة الكاملة.. رويترز تدحض اتهامات بورتسودان لـ الإمارات

في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتصدر المقاطع المصوّرة منصات التواصل الاجتماعي قبل أن تتحقق منها المؤسسات الإعلامية، تصبح الحقيقة نفسها مهددة بالتشويه، أحدث الأمثلة جاءت من السودان، حيث تداولت حسابات مؤيدة لسلطة بورتسودان شريط فيديو زعمت أنه يُظهر "مرتزقة كولومبيين يقاتلون في الفاشر بدعم من الإمارات"، غير أن خدمة "تقصي الحقائق" التابعة لوكالة "رويترز" سرعان ما كشفت زيف هذه الادعاءات، مؤكدة أن المقطع يعود في الأصل إلى تدريبات عسكرية مشتركة جرت في إستونيا بمشاركة قوات أميركية وأوروبية، القضية لم تتوقف عند حدود فيديو مضلل، بل تفاعلت لتكشف عن صراع روايات بين سلطة بورتسودان -الساعية لإلقاء اللوم على أطراف خارجية- والإمارات التي وجدت نفسها في قلب اتهامات رسمية تتعلق بتمويل الصراع في دارفور، هكذا، تحولت قصة قصيرة على وسائل التواصل إلى أزمة دبلوماسية وإعلامية، أعادت طرح أسئلة أعمق حول الحرب المعلوماتية في زمن الحروب الأهلية.
تفنيد المزاعم
منذ اندلاع الحرب الأهلية في السودان، لم يقتصر الصراع على الميدان العسكري وحده، بل تمدد إلى فضاءات الإعلام التقليدي ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تسعى كل جهة إلى فرض سرديتها، آخر هذه الفصول تمثل في فيديو قصير انتشر على نطاق واسع، قيل إنه يوثق وجود "مرتزقة كولومبيين" يقاتلون في مدينة الفاشر إلى جانب قوات الدعم السريع بتمويل من الإمارات.
لكن وكالة رويترز، عبر خدمتها المتخصصة في "تقصي الحقائق"، وضعت حدًا سريعًا لهذه المزاعم، بعد أن تمكنت من تحديد مصدر الفيديو الأصلي، فالمقطع، كما تبيّن، يعود إلى تدريبات بالذخيرة الحية جرت قرب معسكر تابا في إستونيا أواخر يوليو 2025، وشاركت فيها وحدات من الجيش الأميركي إلى جانب قوات بريطانية وكندية وإستونية، وقد ظهر بوضوح شعار الفرقة الثالثة للمشاة الأميركية على زي أحد المشاركين، في دلالة قاطعة على أن الفيديو لا يمت بصلة إلى ساحة المعارك السودانية.
الحرب المعلوماتية
انتشار الفيديو لم يكن صدفة، بل جاء بعد أيام من إعلان الحكومة السودانية، المتمركزة في بورتسودان، أنها قتلت "مقاتلين كولومبيين" في الفاشر، متهمة أبوظبي بالضلوع في جلبهم إلى ساحة الصراع، وسرعان ما دخلت الإمارات على خط الأزمة، عبر بيان رسمي في 5 أغسطس نفت فيه بشدة "الادعاءات الزائفة"، معتبرة أنها جزء من "حملة ممنهجة لإلقاء اللوم على أطراف خارجية" بدلاً من تحمل المسؤولية الداخلية.
وبينما اكتفت كولومبيا الرسمية بالصمت، خرج رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس برسالة باللغة الإسبانية ناشد فيها بوجوب وقف تجنيد المرتزقة الكولومبيين، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لتعزيز اتهاماته.
بالمقابل، سارع الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو إلى التعليق عبر منصة "إكس"، محذرًا مواطنيه من المشاركة في نزاعات أجنبية قائلاً: "لا تموتوا في صراعات خارج حدود وطنكم".
القضية تكشف عن وجه آخر للحرب السودانية، وهو "الحرب المعلوماتية"، ففي بيئة متخمة بالشائعات، يصبح أي مقطع فيديو أداة قوية لتشكيل الرأي العام، خصوصًا إذا ارتبط باتهامات ضد قوى إقليمية مثل الإمارات.
وفي ظل التنافس الدولي على النفوذ في السودان، فإن مجرد ترويج مقطع مضلل قد يسهم في إضعاف صورة دولة بعينها أو تضليل المجتمع الدولي.
الأمر الأخطر أن مثل هذه الحملات المعلوماتية قد تعقد جهود الوساطة الإقليمية والدولية، إذ أن الاتهامات الموجهة للإمارات ـ وهي لاعب رئيسي في المنطقة ـ قد تزيد من تعقيد مسار التهدئة أو المفاوضات، فبينما تحاول أبوظبي تكثيف جهودها كوسيط داعم للاستقرار، تسعى سلطة بورتسودان لتصويرها كطرف متورط في إشعال النزاع.