عرب القارة البعيدة.. كيف وصل أبناء المهاجرين إلى قصور الرئاسة في أميركا اللاتينية؟

عرب القارة البعيدة.. كيف وصل أبناء المهاجرين إلى قصور الرئاسة في أميركا اللاتينية؟

عرب القارة البعيدة.. كيف وصل أبناء المهاجرين إلى قصور الرئاسة في أميركا اللاتينية؟
أميركا اللاتينية

على امتداد أكثر من قرن، عبرت موجات من المهاجرين العرب المحيطات بحثًا عن حياة تحفظ لهم ما فقدوه في أوطانهم الأولى: الأمان، الاستقرار، والفرصة، كانت الرحلة طويلة ومرهِقة، وامتدت من مرافئ بيروت وحيفا وطرابلس إلى مرافئ البرازيل والأرجنتين وكولومبيا والسلفادور، لم يحمل هؤلاء المسافرون معهم سوى ثياب بسيطة، ولهجاتهم الممزوجة برائحة الشرق، وبعض الصور التي تذكرهم بالبيوت التي تركوها خلفهم، لكن ما لم يكن في حسبان أحد، أن يتحوّل أحفاد هؤلاء القادمين الجدد إلى شخصيات تصنع السياسات وتشكل ملامح دول كاملة في النصف الآخر من العالم، من متاجر صغيرة في شوارع بعيدة، إلى مكاتب برلمانية، ثم إلى قصور رئاسية، ارتسمت حكاية سياسية غير مسبوقة، حضور عربي مؤثر يُعيد رسم المشهد في أميركا اللاتينية، ويمنح الجاليات العربية هناك مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

من الهجرة إلى الحكم


لم تكن الهجرة العربية إلى أميركا اللاتينية سوى محاولة للنجاة من أزمات اقتصادية وسياسية ضربت بلاد الشام مطلع القرن العشرين، ورغم صعوبة الاندماج في مجتمعات تختلف جذريًا في اللغة والثقافة والدين، نجح العرب تدريجيًا في بناء حضور اقتصادي واجتماعي مؤثر، ومع مرور العقود، تحوّلت المتاجر الصغيرة التي افتتحوها على استحياء، إلى شركات ضخمة، وأصبح أبناؤهم جزءًا أصيلاً من الطبقات التعليمية الحديثة، قبل أن ينتقلوا إلى المجال الذي لم يكن يخطر ببال أحد: السياسة.

قصة العرب في أميركا اللاتينية ليست مجرد رواية تغريبة، بل تجربة اندماج ناجحة استطاعت أن تحجز لنفسها مواقع نفوذ في دول عانت طويلاً من التقلبات السياسية والصراعات الداخلية.

 وفي قلب هذه التجربة تقف شخصيات بارزة، ترك كل واحد منها بصمة خاصة على مسار بلده.

كولومبيا – خوليو سيزار طربيه: بداية الحضور العربي في القمة
يمثل خوليو سيزار طربيه واحدًا من أول أبناء العرب الذين بلغوا موقع الرئاسة في أميركا اللاتينية، وُلد في تنورين اللبنانية، لكنه قضى طفولته في كولومبيا التي وصل إليها وهو لم يتجاوز الثانية، كانت طفولة طربيه قاسية؛ فقد اضطر إلى ترك المدرسة باكرًا والعمل لإعالة أسرته، وهي خلفية اجتماعية ظل خصومه يستغلونها ضده لاحقًا.

غير أن تلك التجربة نفسها صقلت شخصيته، وقادته إلى مسيرة سياسية ودبلوماسية بارزة داخل الحزب الليبرالي الكولومبي، شغل مناصب سفير في الأمم المتحدة وبريطانيا والولايات المتحدة، قبل تكليفه بوزارة الخارجية، ثم توليه الرئاسة المؤقتة عام 1967. وفي عام 1978، انتُخب رئيسًا لكولومبيا في مرحلة اتسمت بالاضطرابات الأمنية وتنامي نفوذ المجموعات المسلحة.

شهدت فترة حكمه واحدة من أطول الأزمات الدبلوماسية في تاريخ البلاد، عندما اقتحم مقاتلو حركة "إم 19" سفارة الدومينيكان عام 1980 واحتجزوا سفراء 16 دولة لمدة 61 يومًا، ما وضع رئاسته تحت أنظار العالم، وبعد سنوات من العمل السياسي، عاد طربيه إلى لبنان عام 2003، قبل وفاته بوقت قصير.

كارلوس منعم: من ريف دمشق إلى إعادة تشكيل اقتصاد دولة كبرى

في الأرجنتين، لمع اسم كارلوس منعم، ذو الأصول السورية القادمة من يبرود، لم يكن مجرد سياسي تقليدي، بل رمز لمرحلة تاريخية اتسمت بتحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، بدأ حياته حاكمًا لإقليم لا ريوخا، قبل أن يتسلم رئاسة البلاد بين عامي 1989 و1999.

قاد منعم عملية تحرير اقتصادي واسعة؛ خصخص المؤسسات الحكومية الكبرى، وثبّت سعر العملة عبر ربطها بالدولار، وسعى إلى استعادة ثقة الأسواق الدولية، كما أعاد بلاده إلى مسار العلاقات الطبيعية مع المملكة المتحدة بعد أزمة فوكلاند، وعزّز الروابط مع الولايات المتحدة.

رغم الجدل الكبير الذي أحاط بسياساته، ظل منعم شخصية محورية لا يمكن تجاهلها في التاريخ السياسي الأرجنتيني الحديث.

هندوراس: حضور فلسطيني بين الرئاسة وصناعة القرار

دخل الفلسطينيون تاريخ هندوراس السياسي من أوسع أبوابه مع كارلوس روبرتو فلوريس، الذي أصبح أول رئيس من جذور عربية يتولى الحكم بين عامي 1998 و2002. 

جاء فلوريس إلى الرئاسة في واحدة من أحلك لحظات البلاد، بعد أن دمّر إعصار ميتش أجزاء ضخمة من البنية التحتية. وخلال ولايته، أعاد إطلاق عجلة الإعمار، واستثمر شبكة علاقاته الدولية لتعزيز المساعدات، حتى بات يُعرف بـرئيس إعادة البناء.

لم يتوقف الحضور الفلسطيني عند فلوريس. إذ تشهد هندوراس اليوم سباقًا انتخابيًا يحمل ملامح تنافس عربي – عربي، أبرز المتسابقين هو رجل الأعمال نصري خوان عصفورة «تيتو»، الشخصية التي سيطرت طويلاً على كواليس السياسة ونالت لقب «صانع الملوك».

يخوض عصفورة انتخابات 30 نوفمبر بدعم واضح من الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، في خطوة منحت حملته وزنًا دوليًا غير معتاد في بلد صغير مثل هندوراس.


في الجهة المقابلة يقف الإعلامي والسياسي سالفادور نصر الله، ذو الجذور اللبنانية، بدأ مسيرته من استديوهات الرياضة، ثم تحول إلى واحد من أهم وجوه المعارضة، وسبق أن خاض الانتخابات الرئاسية عامي 2013 و2017، وكاد ينتزع الفوز في الثانية قبل أن تتجه النتائج إلى نزاع سياسي طويل، عاد لاحقًا إلى الواجهة بتوليه منصب نائب رئيس الجمهورية عام 2022، في موقع هو الأعلى لعربي بعد عهد فلوريس.

البرازيل.. ابن بتعبورة الذي وصل إلى قصر بلانالتو

من بين دول أميركا اللاتينية، تحتضن البرازيل أكبر جالية عربية، وكان من المتوقع أن يظهر فيها قادة من أصول عربية، برز ميشال تامر، القادم من بلدة بتعبورة اللبنانية، كمحامٍ دستوري ثم سياسي مخضرم. شغل رئاسة مجلس النواب، وكان لاعبًا أساسيًا في عزل الرئيسة ديلما روسيف عام 2016، ليخلفها في المنصب حتى 2019.

سعى تامر إلى استعادة ثقة المستثمرين، لكن ولايته واجهت عواصف سياسية وقضايا فساد لاحقته حتى بعد مغادرته السلطة، ومع ذلك، يبقى مثلاً واضحًا على نجاح الهجرة اللبنانية في الوصول إلى أعلى المناصب.

السلفادور.. حضور فلسطيني استثنائي

قليلة هي الدول التي يظهر فيها هذا القدر من الحضور العربي السياسي كما في السلفادور، ففي انتخابات 2004، شهدت البلاد سباقًا بين مرشحين ذوي جذور فلسطينية: إلياس سقا من تيار الوسط المحافظ، وشفيق حنضل من اليسار الراديكالي.

إلياس سقا، المنحدر من عائلة من بيت لحم، صعد بسرعة داخل الحزب المحافظ بدعم من حضوره الإعلامي الواسع، انتُخب رئيساً عام 2004، وركز على الأمن والانفتاح الاقتصادي، لكن ولايته واجهت انتقادات واسعة، عام 2017، أُلقي القبض عليه في قضية فساد هزّت الرأي العام.

أما شفيق حنضل، فكان رمزًا لنضال اليسار السلفادوري، ساهم في تأسيس جبهة «فارابوندو مارتي» للتحرير الوطني، ولعب دورًا أساسيًا في الحرب الأهلية ومفاوضات السلام التي أنهتها، بقي اسمه مرتبطاً بمرحلة مفصلية من تاريخ البلاد.

بوليفيا: خوان حزبون.. رئاسة قصيرة وصخب طويل

في بوليفيا، ظهر أول رئيس من أصول عربية مع الجنرال خوان بيريدا حزبون، المتحدر من عائلة فلسطينية من بيت لحم، صعد داخل المؤسسة العسكرية بسرعة، وتولى وزارة الداخلية في ظرف حساس، قبل أن يُعلن فوزه في انتخابات 1978 بدعم من النظام العسكري.

لكن رئاسته كانت من الأكثر اضطرابًا في تاريخ بوليفيا؛ إذ فجّرت اتهامات التزوير احتجاجات واسعة أفقدته شرعيته منذ الأيام الأولى، بعد ثلاثة أشهر فقط، أطاح به انقلاب عسكري جديد، فاتحاً الباب أمام سلسلة أخرى من الانقلابات التي مزقت البلاد خلال تلك الحقبة، ورغم قصر عهده، بقي وجوده حدثًا فارقًا، بوصفه أول اختراق عربي لقيادة الدولة في بوليفيا.

رئيس أعاد رسم صورة السلفادور

يمثل نجيب بوكيلي جيلاً جديدًا من القادة ذوي الأصول العربية، بفضل خطاب عصري واستخدام طاغٍ لوسائل التواصل الاجتماعي، استطاع أن يقدّم نفسه كوجه شبابي قادر على قلب المعادلات، خاض تجربة ناجحة في رئاسة بلديتي نويفو كوسكاتلان وسان سلفادور، قبل أن يحقق فوزاً ساحقاً في انتخابات 2019.

في الحكم، أطلق حملته الشهيرة ضد العصابات، واعتمد سياسات أمنية غير مسبوقة، شملت اعتقال عشرات الآلاف، وبناء مركز احتجاز هائل الحجم، أثارت خطواته إعجابًا وانتقادات في آن واحد، لكنها دون شك غيّرت شكل السلفادور وأدخلتها مرحلة سياسية جديدة.

الإكوادور.. نفوذ لبناني ممتد


لا تكاد دولة في أميركا الجنوبية شهدت حضورًا عربيًا متجذرًا مثل الإكوادور، تبدأ الحكاية مع أسعد بوكرم، رجل الأعمال المهاجر من لبنان الذي أصبح أحد أبرز خصوم الأنظمة العسكرية، وتحوّل إلى الأب المؤسس لنفوذ سياسي لبناني استمر عقودًا، نفاه الجيش إلى بنما في السبعينات، لكنه ظل مرجعًا ومؤثرًا في مسار عائلته السياسية.

من هذا الإرث برز الرئيس الإصلاحي خايمي رولدوس، الذي وصل إلى الحكم عام 1979 بدعم من حزب رعاه أسعد بوكرم. قدّم برنامجًا إصلاحيًا جريئًا قبل أن ينهي حادث تحطم طائرته حياته عام 1981، في واقعة بقيت غامضة.

ثم جاء عبد الله بوكرم عام 1996، بشخصيته المثيرة للجدل وخطابه الشعبوي. ورغم فوزه الواضح في الانتخابات، فإن الأزمات الاقتصادية والسياسية عجّلت بعزله بعد 18 شهرًا فقط، قبل سفره إلى المنفى.

لكن البداية الحقيقية للحضور اللبناني في القصر الرئاسي كانت مع خوليو ثيودور سالم، أول شخصية عربية تتولى الرئاسة، ولو لثلاثة أيام فقط خلال مرحلة انتقالية عام 1944، فاتحاً الطريق أمام الوجود اللبناني اللاحق.

باراغواي والدومينيكان.. حضور عربي لا يتكرر كثيرًا

في باراغواي، برز ماريو عبدو بينيتيز، ذو الجذور اللبنانية الجنوبية، الذي حكم بين عامي 2018 و2023. اعتمد على إرث والده داخل الحزب الحاكم وصعد سريعًا ليقود البلاد في مرحلة مفصلية.
أما في الدومينيكان، فقد برز جاكوبو آزار، الذي تولى الرئاسة لمدة 42 يوماً فقط بعد انتحار الرئيس أنطونيو غوزمان عام 1982. ورغم قصر فترته، فقد لعب دورًا محوريًا في إدارة فترة انتقالية مشحونة بالتوتر.