صراع في السماء وأزمة في الأرض.. مشهد الحرب يتعقد بين موسكو وكييف

صراع في السماء وأزمة في الأرض.. مشهد الحرب يتعقد بين موسكو وكييف

صراع في السماء وأزمة في الأرض.. مشهد الحرب يتعقد بين موسكو وكييف
الحرب الروسية الأوكرانية

في ليلة ثقيلة خيّم عليها صوت الطائرات المسيّرة ودويّ الانفجارات، عاشت العاصمة الأوكرانية كييف ساعات عصيبة أعادت إلى الأذهان أشدّ مراحل الحرب توترًا، فعند منتصف الليل تقريبًا، انطلقت صافرات الإنذار بالتزامن مع تحليق مكثّف لطائرات مسيّرة روسية، فيما كانت دفاعات الجو الأوكرانية تحاول بكل ما تملك احتواء الموجة الجديدة من الهجمات.

 لم يستغرق الأمر طويلاً قبل أن تتكشف حصيلة الضربات، قتيل وعدد من الجرحى بينهم طفل، ومع تزايد الهجمات خلال الأسابيع الأخيرة، باتت كييف تقف على حافة استنزاف يومي يربك سكانها ويضع المؤسسات المدنية تحت ضغط متواصل، لكن ما يحدث في الميدان ليس سوى جانب من المشهد، فبينما تتقدم الجبهات العسكرية بوتيرة متذبذبة، يزداد المشهد الاقتصادي داخل روسيا قتامة، حيث يواجه المواطن الروسي سلسلة من التحديات المعيشية والمالية التي تلقي بظلالها على الحياة اليومية، ما يفتح الباب لأسئلة جديدة حول قدرة موسكو على الاستمرار بنفس الزخم في حرب طويلة الأمد.

هجوم جديد يعمّق مأساة المدنيين في كييف

استيقظ سكان كييف على أصوات انفجارات هزّت أرجاء العاصمة، بينما كانت السماء تتلألأ بأضواء الدفاعات الجوية التي حاولت اعتراض أسراب المسيّرات الروسية، وأكد رئيس الإدارة العسكرية في كييف، تيمور تكاتشينكو، أن المدينة شهدت واحدة من أكثر الليالي نشاطاً للطائرات المسيّرة خلال الأسابيع الأخيرة، مشيراً إلى استهداف عدة مواقع في محيط العاصمة.

ووفق المعلومات المعلنة صباح السبت، تسبب الهجوم في مقتل رجل وإصابة سبعة أشخاص آخرين بينهم طفل، فيما نُقل أربعة مصابين إلى المستشفيات لتلقي العلاج، ووجّه عمدة المدينة، فيتالي كليتشكو، نداءً عاجلاً للسكان بضرورة التزام الملاجئ، محذرًا من احتمال استمرار الموجة لفترة أطول من المتوقع.
هذه الهجمات ليست معزولة عن سياق أوسع؛ فمنذ بداية الأسبوع تعرضت كييف لهجوم ليلي آخر بالطائرات المسيّرة والصواريخ، أسفر عن سبعة قتلى وحرائق واسعة في مبانٍ سكنية. 

تصاعد وتيرة الهجمات يعكس نمطًا جديدًا في الاستراتيجية الروسية، يعتمد بشكل أكبر على استنزاف البنية التحتية الأوكرانية، وخلق ضغط نفسي دائم على المدنيين.

انعكاس داخلي.. روسيا تدفع ثمن الحرب اقتصاديًا

على الطرف الآخر من الحدود، يواجه ملايين الروس واقعًا اقتصاديًا مغايرًا تمامًا لخطاب السلطة الذي يؤكد صلابة الاقتصاد، فبعد سنوات من محاولات الالتفاف على العقوبات، بدأت مؤشرات الإنهاك تظهر بشكل واضح، ليس فقط في التقارير الاقتصادية، بل في نمط الحياة اليومية.

تشير التقارير الاقتصادية إلى ارتفاع مستمر في الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وانكماش ملحوظ في الإنتاج الصناعي. ورغم محاولات الحكومة الروسية التخفيف من آثار العقوبات عبر دعم بعض القطاعات، إلا أن الضغط المتراكم بدأ يظهر في سلوك المستهلك الروسي الذي اضطر إلى تقليص إنفاقه على الغذاء لأول مرة منذ سنوات طويلة.

المائدة الروسية تتقلص

بحسب أحدث البيانات، سجّل الروس انخفاضًا كبيرًا في شراء السلع الغذائية الأساسية، حيث تراجعت مبيعات الحليب بنسبة 8%، والأرز 10%، واللحوم بنسبة تراوحت بين 8% و10%. 

كما أحجم المستهلكون عن شراء الفواكه والخضروات بسبب ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع من نمو الأجور، هذا التراجع يعكس ضغوطًا معيشية متصاعدة، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة المواطن الروسي على تحمل مزيد من الارتفاعات في الأسعار.

صناعة تتراجع.. ومخاوف من التباطؤ

لم تتوقف الأزمة عند حدود الأسر، بل طالت الصناعة الروسية التي تعتبر أحد أعمدة الاقتصاد الوطني. فقد أصبح الانخفاض في استهلاك الصلب، الذي وصل إلى 14%، مؤشرًا واضحًا على تباطؤ الأنشطة الصناعية. وتواجه روسيا أزمة تعدين هي الأسوأ منذ عقد كامل، إضافة إلى تراجع حاد في إنتاج السيارات على خلفية ارتفاع الرسوم وضعف الطلب.

وجود تضخم متصاعد دفع الحكومة إلى رفع ضريبة القيمة المضافة ورسوم السيارات والضرائب المتعلقة بالتكنولوجيا، ما وضع الشركات الصناعية والمواطنين أمام أعباء إضافية. ويخشى خبراء الاقتصاد أن يصبح هذا المسار مقدمة لركود طويل.

أما قطاع النفط، العمود الفقري للموازنة الروسية، فقد دخل مرحلة انكماش مؤلمة بعد تراجع الإيرادات بأكثر من 20%، متأثرًا بالعقوبات وسقوف الأسعار المفروضة من الدول الغربية. هذا التراجع يأتي في وقت ترتفع فيه تكلفة العمليات العسكرية، ما يخلق فجوة مالية يصعب سدها دون اتخاذ إجراءات إضافية قد تزيد الضغط على الشارع الروسي.

الخوف يتسلل إلى المدن


بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية، تشهد بعض المناطق الروسية ضربات بطائرات مسيّرة مجهولة المصدر تستهدف محطات الطاقة. ورغم محاولة السلطات التقليل من شأنها، إلا أن تأثيرها على شبكة الكهرباء والإمدادات بدأ يثير مخاوف لدى السكان.


رغم كل هذه المعطيات، لا تظهر القيادة الروسية أي مؤشر على تغيير المسار، الحرب مستمرة، والاقتصاد يتجه إلى مرحلة حساسة قد تتبلور قريبًا إما بمرونة مفاجئة، أو بانكماش عميق قد يغيّر شكل الحياة في روسيا لسنوات.