طائرات مسيّرة وعيون نسائية.. كواليس التجسس الإسرائيلي في الجنوب السوري

طائرات مسيّرة وعيون نسائية.. كواليس التجسس الإسرائيلي في الجنوب السوري

طائرات مسيّرة وعيون نسائية.. كواليس التجسس الإسرائيلي في الجنوب السوري
الجيش الإسرائيلي

في منطقة تتقاطع فيها الحسابات الدولية مع التوترات الحدودية، تتصاعد أنشطة استخباراتية غير معلنة تمتد إلى عمق الأراضي السورية، لتكشف جانبًا غير مطروق من أدوات العمل الأمني الإسرائيلي، فبينما تتواصل محاولات إعادة هندسة العلاقات بين واشنطن وتل أبيب ودمشق، تعمل وحدات ميدانية متخصصة على رسم خرائط سرية للمشهد السوري وتعقّب التحركات التي تراها إسرائيل “تهديدًا مباشرًا” لأمنها، لكن المفاجئ في هذه القصة ليس فقط العمليات في حد ذاتها، بل هوية من ينفذها: جنديات في الاستخبارات الميدانية يعملن في أصعب البيئات وأكثرها تعقيدًا، ويمضين ساعات من المراقبة الجوية وتحليل الأنماط وتحريك الطائرات المسيّرة فوق مناطق يهيمن عليها الغموض، هذا التحقيق وفقًا لصحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية يعرض صورة موسعة عن نشاط وحدة نسائية تتولى مراقبة “الموقع 720”، الواقع عند مثلث الحدود الأردنية– الإسرائيلية– السورية، ويكشف كيف غيّر دخول الجيش الإسرائيلي إلى سوريا نهاية 2024 طبيعة العمليات وعمّق اعتماد تل أبيب على المعلومات الاستخبارية الميدانية في رسم تحركاتها المستقبلية.

وحدة بوجه نسائي.. ومعارك من نوع آخر

في الوقت الذي تتحدث فيه الدبلوماسية عن فرص لتقارب سياسي بين سوريا وإسرائيل برعاية أمريكية، تكشف شهادات من داخل الجيش الإسرائيلي عن واقع ميداني مختلف، واقع يقول إن الانخراط الإسرائيلي في الأراضي السورية باقٍ ومتصاعد، مدفوعًا بما تصفه تل أبيب بـ"حاجات أمنية لا يمكن تجاهلها"، في قلب هذا المشهد، تبرز وحدة استخباراتية نسائية تعمل على الأرض السورية، وتتولى مهام تجسس مباشر، أبرزها في المنطقة الحساسة المحيطة بـ"الموقع 720"، أحد أهم النقاط الحدودية التي تتقاطع فيها مصالح ثلاث دول وتشتبك فيها القوى المحلية والإقليمية.

بحسب ما نقلته صحيفة جيروزاليم بوست، تتولى هذه الوحدة النسائية مهام جمع المعلومات عبر طائرات مسيّرة متقدمة، وتدير الجنديات عمليات استطلاع مستمرة، تتراوح بين رصد تحركات أشخاص يُشتبه بعلاقتهم بإيران أو فصائل مسلحة، وتحليل أنماط الحياة اليومية داخل القرى السورية المتاخمة للحدود.

قائد كتيبة 595، المعروف بالحرف «ج» يوضح، أن التطور الكبير في استخدام الطائرات المسيّرة بعد حرب 2023–2025 منح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على تنفيذ مهمات دقيقة دون الحاجة لكشف الوجود البشري. لكن هذه القدرات التقنية لا تلغي الحاجة إلى مهارة بشرية عالية، إذ إن اختيار ارتفاع الطيران وحده يمكن أن يصنع الفارق بين عملية ناجحة وأخرى مكشوفة.

الموقع 720.. نقطة تقاطع استراتيجية

أهمية الموقع 720 لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي، بل من كونه منصة مراقبة رئيسية للأنشطة التي تصنفها إسرائيل بأنها مرتبطة بإيران وحلفائها، وبعد دخول الجيش الإسرائيلي إلى الأراضي السورية نهاية عام 2024 وإنشاء منطقة عازلة، أصبحت هذه النقطة جزءًا محوريًا من شبكة المراقبة الجديدة.

الجندية "س"، إحدى أبرز أعضاء الوحدة، تؤكد أن دورهن تطور جذريًا بعد ذلك التاريخ، فقبل الغزو، كان عملهن محدودًا بسبب غياب قواعد ثابتة داخل سوريا، لكن بعد إنشاء المنطقة العازلة، أصبحت مهامهن تعتمد على التواجد شبه الدائم على التخوم السورية وتقديم توجيهات مباشرة لألوية قتالية مثل لواء الإسكندروني والمظليين 890.

من عملياتها، أن وحدتها كانت تتحرك عدة كيلومترات داخل الأراضي السورية لتوجيه القوات ميدانيًا، وفي إحدى العمليات توقفت الوحدة لساعات طويلة لدراسة شبكة علاقات أربعة رجال مرتبطين بإيران، إذ جرى تحليل كل تحرك وكل عادة يومية لمعرفة اللحظة المثالية للتدخل.

دوريات ليلية وتكتيكات معقدة

"د"، وهي جندية أخرى في الوحدة – تكشف أن أغلب العمليات تتم ليلاً لتقليل فرص اكتشاف الطائرات المسيّرة أو العناصر الراجلة. تؤكد أن التفاصيل الصغيرة تصبح ذات أهمية كبرى، من يدخل مبنى معين، من يغادره، وما هي السيارة المستخدمة، وما إذا كان الشخص المستهدف يتحرك ضمن مجموعة أو منفردًا.

في إحدى الحالات، تولّت "د" مع زميلاتها إعداد كمين يستغرق أربع ساعات لضبط أحد الأشخاص المصنفين كـ"هدف معادٍ"، وقمن بتوجيه مجموعة واسعة من الجنود حول كيفية التعامل مع احتمالات هروب الهدف.

مخاطر داخلية.. أزمة الدروز

في يوليو من العام الماضي، واجه الجيش الإسرائيلي حالة غير مسبوقة عندما نجح عدد كبير من الدروز الإسرائيليين في دخول الأراضي السورية، القائد "ج" اعترف بأن الجيش فشل في منعهم، لكنه أكد أن التعامل مع الاحتجاجات المعقدة داخل المجتمع الإسرائيلي يجب أن يكون من مسؤوليات الشرطة، بينما أكدت "م" – ضابط العمليات – أن فهم تركيبة المجتمع الدرزي ومناطق السويداء ضرورة لتجنب المفاجآت المستقبلية.

عند سؤاله عن آلية اتخاذ قرار تنفيذ اعتقال أو ضربة قاتلة ضد عناصر قريبة من الحدود، أوضح "ج" أن القرار يعتمد على عوامل متعددة: توقيت وجود الهدف، طبيعة مرافقيه، حركة القرية، ونوعية المركبات التي يستخدمها، لكن المستوى الأعلى من القيادة هو من يحدد غالبًا الأولوية، وفي العمليات المعقدة، يتدخل "ج" لتعديل المعايير بما يخدم إنجاح المهمة.

وفي إحدى العمليات، نقل "ج" مركز قيادة متنقلًا إلى قرب خطوط المواجهة لتسهيل الاتصال مع الوحدات الميدانية وتحديث المعلومات لحظة بلحظة، وهو إجراء يعكس حساسية العمليات داخل العمق السوري.

ما وراء العمليات.. قراءة في السياق الأوسع

وجود وحدة نسائية بهذا الدور يعكس تطورًا في العقيدة العسكرية الإسرائيلية التي أصبحت تعتمد على قدرات تكنولوجية وبشرية مرنة تستطيع العمل داخل بيئات معقدة دون إثارة ضجة.

كما يكشف استمرار العمليات داخل سوريا عن أن تل أبيب لا ترى أي احتمال قريب لسحب قواتها، وأنها تعتبر الجبهة السورية جزءًا من “حدودها الأمنية الموسعة”.

ومع أن إسرائيل تؤكد أن عملها يركز على مواجهة النفوذ الإيراني، فإن توسعها في الأراضي السورية يثير أسئلة حول مستقبل الصراع وتعقيدات الميدان السوري الذي تتداخل فيه القوى الدولية والإقليمية والمحلية. 

ومع استمرار التوتر، يبدو أن “الموقع 720” سيظل عنوانًا لمرحلة جديدة من العمل الاستخباراتي بعيدًا عن الأضواء.