سباق التسلّح يعود للواجهة.. إسرائيل تتهم إيران بإحياء شبكاتها العسكرية في المنطقة
سباق التسلّح يعود للواجهة.. إسرائيل تتهم إيران بإحياء شبكاتها العسكرية في المنطقة
تتواصل فصول التوتر بين إيران وإسرائيل في مشهد تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع التوازنات الإقليمية الحساسة، فيما تشهد المنطقة حالة استنفار غير معلنة بين طهران وتل أبيب عقب المواجهات الأخيرة التي امتدت قرابة اثني عشر يومًا في يونيو الماضي، وفي الوقت الذي أعلنت فيه إيران أنها نجحت في صد الهجمات الإسرائيلية واعتبرت ما جرى "انتصارًا" يعكس صمودها وقدرتها على الرد، تتصاعد في الجانب الآخر التحذيرات الإسرائيلية من سباق تسلّح يتسارع خلف الكواليس، اليوم، خرج مسؤول أمني إسرائيلي ليضع مزيدًا من الإضاءة على ما تسميه تل أبيب "إعادة تموضع استراتيجي" لإيران، يتضمن – وفق الرواية الإسرائيلية – إعادة تسليح وكلائها في اليمن ولبنان وسوريا، وزيادة وتيرة تهريب الأسلحة باتجاه الضفة الغربية، هذا المشهد، الذي يبدو للوهلة الأولى امتدادًا مألوفًا لصراع النفوذ، يحمل في طياته دلالات مهمة على استشعار الطرفين احتمالات مواجهة أكبر في المستقبل، وسط مؤشرات تُنذر بمرحلة أشد سخونة على مستوى الجبهة الإقليمية.
إعادة بناء النفوذ الإيراني
كشف مسؤول أمني إسرائيلي، في تصريح جديد لهيئة البث الرسمية، عن قلق متزايد لدى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مما وصفه بـ"محاولات إيران لاستعادة مكانتها الإقليمية بعد الضرر الذي لحق بها جراء الهجوم الإسرائيلي في يونيو الماضي"، وبحسب المصدر، فإن طهران "تعمل بوتيرة متسارعة على إعادة ترتيب أوراقها العسكرية"، بهدف مواجهة أي عملية محتملة قد تنفذها إسرائيل داخل الأراضي الإيرانية خلال الفترة المقبلة.
ويرى الجانب الإسرائيلي، أن إيران، رغم إعلانها الصريح أنها خرجت "منتصرة" من جولة الهجمات الأخيرة، إلا أنها تسعى فعليًا إلى إعادة بناء قدراتها الدفاعية والهجومية، مع التركيز على دعم التنظيمات المتحالفة معها في المنطقة.
وبحسب المسؤول الأمني، فإن طهران "تزيد من عمليات نقل الأسلحة إلى الحوثيين في اليمن، وإلى حزب الله في لبنان، وإلى مجموعات مختلفة في سوريا"، في إطار ما يصفه الإسرائيليون بمحاولة بناء "طوق ردعي" حول إسرائيل يعزز قدرة إيران على المناورة في أي مواجهة مقبلة.
فتح جبهة ضغط داخلية
ووفقًا للمصدر ذاته، فإن أحد التطورات التي تثير قلق تل أبيب بشكل خاص هو ما يعتبره "تصاعدًا في عمليات تهريب الأسلحة إلى الضفة الغربية"، وهي قضية تضعها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية في صدارة إجندتها منذ أشهر، مع تنامي قدرات بعض المجموعات المسلحة هناك، وتعتقد إسرائيل أن إيران تسعى إلى "فتح جبهة ضغط داخلية" على إسرائيل من بوابة الضفة، بهدف تشتيت جهودها الأمنية والعسكرية في حال اندلاع صراع متعدد الجبهات.
دعم الحوثيين بقوة
أما في اليمن، فيؤكد المسؤول أن إيران "تركز بشكل ملحوظ على تعزيز القدرات العسكرية للحوثيين"، من خلال توفير تكنولوجيا متقدمة للطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة، وهو ما تعتبره إسرائيل جزءًا من خطة تهدف لإحكام النفوذ الإيراني في البحر الأحمر، وتعزيز الضغط على مسارات الملاحة الدولية وعلى المصالح الإقليمية المتحالفة مع تل أبيب.
وفي شمال إسرائيل، يبرز حزب الله بوصفه محورًا ثابتًا لأي تقديرات أمنية إسرائيلية، ويقول المصدر إن طهران "تراقب عن كثب" ما تسميه إسرائيل "المهلة المحددة لتجريد حزب الله من سلاحه بحلول 31 ديسمبر"، وهو موعد ما تزال تل أبيب تصفه بأنه "حاسم" في إطار جهودها لفرض ترتيبات جديدة على الحدود الشمالية، ويضيف المسؤول أن "إيران تدرك أن إسرائيل قد تُقدم على خطوات أكبر بعد هذا التاريخ، ولذلك تقوم بتسريع عمليات نقل السلاح إلى الحزب لضمان جاهزيته".
وتأتي هذه التصريحات في سياق أوسع من التصعيد المتبادل، إذ كانت إسرائيل قد نفذت في نهاية يونيو عملية عسكرية مفاجئة داخل الأراضي الإيرانية استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت مرتبطة بالبرنامج النووي.
وتصف تل أبيب هذه العملية بأنها نجاح استخباراتي وعسكري، بعدما أسفرت – وفق الرواية الإسرائيلية – عن اغتيال عدد من القادة العسكريين الإيرانيين وعلماء نووي بارزين. فيما ترد طهران بأن ما جرى لم يؤثر على برنامجها، وأنها استطاعت "إعادة بناء القدرات العسكرية بشكل أقوى وأكثر مرونة"، بحسب تصريحات مسؤولين كبار.
ويشير مراقبون إلى أن ما يجري اليوم يشكل حلقة جديدة من "حرب الظل" التي تخوضها إسرائيل وإيران منذ أكثر من عقد، حيث تتوزع خطوط المواجهة بين البحر الأحمر وسوريا ولبنان والعراق، وصولًا إلى الضفة الغربية. وتبقى الأسئلة مفتوحة حول ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد انتقال المواجهة من الساحة السرية إلى العلن، أم أنّ الطرفين سيواصلان إدارة الصراع بالأدوات ذاتها التي اعتادا استخدامها: الضربات المحدودة، والعمليات الاستخباراتية، ودعم الوكلاء الإقليميين.
ومع ذلك، فإن وتيرة التصريحات والتحذيرات المتبادلة في الأسابيع الأخيرة تشير إلى أن المنطقة قد تكون على أعتاب فصل جديد من التوتر، إذ يرى الخبراء أن "سباق التسلّح" الذي تتحدث عنه إسرائيل قد لا يكون سوى مقدمة لمعادلة أمنية أكثر تعقيدًا، يكون فيها القرار العسكري محكومًا بمزيج من الحسابات الداخلية والضغوط الدولية، فضلًا عن تداعيات التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

العرب مباشر
الكلمات