رحيل خامنئي يفتح معركة الخلافة في إيران وسط حرب مع واشنطن وتل أبيب

رحيل خامنئي يفتح معركة الخلافة في إيران وسط حرب مع واشنطن وتل أبيب

رحيل خامنئي يفتح معركة الخلافة في إيران وسط حرب مع واشنطن وتل أبيب
اغتيال خامنئي

تشهد إيران لحظة مفصلية في تاريخها السياسي بعد وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي، ما يضع الجمهورية الإسلامية أمام مرحلة انتقالية معقدة في ظل حملة عسكرية واسعة تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب حالة توتر داخلي واضطرابات متصاعدة في الشارع، وفقًا لما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية.

على مدى 37 عامًا في السلطة، لعب خامنئي دورًا محوريًا في رسم ملامح الشرق الأوسط الحديث. 

وبصفته الزعيم الروحي والسياسي لإحدى أكبر دول المنطقة، عزز نفوذ إيران عبر شبكة من الميليشيات الشيعية المنتشرة في الشرق الأوسط، كما تمكن من الصمود أمام موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية في وقت سقطت فيه أنظمة استبدادية عديدة في المنطقة.

غير أن رحيله ترك وراءه نظامًا سياسيًا يفتقر إلى خليفة واضح، وهو أمر يُعتقد أنه كان نتيجة تصميم متعمد.

 ويرى خبراء أن أي خليفة محتمل لن يمتلك السلطة الشخصية الواسعة التي كان يتمتع بها خامنئي، وقد يضطلع بدور أكثر رمزية مقارنة بسلفه.

ويقول مهدي خلاجي، مؤلف سيرة ذاتية عن خامنئي صدرت عام 2023 وأحد طلاب الحوزات الدينية في مدينة قم لمدة 14 عامًا: إن القيادة في إيران لن تتركز بعد الآن في شخص واحد، مشيرًا إلى أن المرشد الأعلى القادم قد يكون إلى حد كبير شخصية رمزية.

سلطات واسعة لمنصب المرشد الأعلى

رغم ذلك، يمنح النظام السياسي في إيران المرشد الأعلى سلطات واسعة للغاية. فالمرشد الأعلى هو القائد العام للقوات المسلحة، كما يشرف على السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية، إضافة إلى اعتباره أعلى مرجعية دينية في النظام الشيعي داخل البلاد.

وبعد وفاة خامنئي، ستتولى مجلس مؤقت مكون من ثلاثة أشخاص إدارة مهام المرشد الأعلى، وفقًا للدستور الإيراني. ويتألف هذا المجلس من رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد أعضاء مجلس صيانة الدستور.

بعد ذلك، ستتولى هيئة دينية تُعرف باسم مجلس الخبراء، وهي هيئة تتكون من 88 رجل دين، مهمة اختيار المرشد الأعلى الجديد. 

لكن المراقبين يرون أن هذه العملية ستكون في الغالب إجراءً شكليًا، إذ من المرجح أن يتم التوصل إلى توافق فعلي حول اسم المرشح الجديد خلف الكواليس قبل التصويت الرسمي.

أسماء مطروحة لخلافة خامنئي

وتشير التوقعات إلى أن اثنين من أعضاء المجلس المؤقت يعدان من أبرز المرشحين المحتملين لخلافة خامنئي.

أحدهما علي رضا أعرافي، وهو رجل دين في أواخر الستينيات من عمره يرأس الحوزات الدينية في إيران.
 ويُعرف عنه أنه حافظ على مسافة من الصراعات السياسية، الأمر الذي قد يجعله مقبولاً لدى التيارات المتشددة وكذلك لدى بعض القوى الأكثر اعتدالاً داخل النظام.

أما المرشح الآخر فهو غلام حسين محسني إيجئي، رجل الدين الذي يتولى رئاسة السلطة القضائية حاليًا. 

ويعد إيجئي شخصية مثيرة للجدل بين معارضي النظام بسبب دعمه تطبيق عقوبة الإعدام على المتظاهرين، إضافة إلى عمله السابق وزيراً للاستخبارات.

شخصيات أخرى قد تؤثر في ميزان القوى

في الوقت الذي تعمل فيه القيادة الإيرانية على اختيار المرشد الجديد، تبرز شخصيات سياسية أخرى قد تمارس نفوذًا كبيرًا خلال هذه المرحلة.

ومن بين هذه الشخصيات علي لاريجاني، الذي يرأس المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران ويُنظر إليه باعتباره أحد أبرز الوسطاء السياسيين داخل النظام. 

ويُعرف لاريجاني ببراغماتيته السياسية وقدرته على البقاء داخل مراكز النفوذ، كما سبق أن شارك في مفاوضات البرنامج النووي الإيراني، ودرست ابنته في الولايات المتحدة.

كما عاد الرئيس الإيراني السابق حسن روحاني إلى الواجهة السياسية خلال الأشهر الأخيرة، رغم معارضة بعض رجال الدين له، مستفيدًا من خبرته في التعامل مع الغرب خلال فترة رئاسته.

دور الحرس الثوري في مرحلة ما بعد خامنئي

شهدت إيران مرة واحدة فقط عملية اختيار مرشد أعلى جديد، عندما تولى خامنئي المنصب عام 1989 خلفًا لمؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، غير أن الظروف الحالية تختلف بشكل كبير عن تلك المرحلة.

فبينما يشترط النظام أن يكون المرشد الأعلى رجل دين بارزًا، فإن قوى خارج المؤسسة الدينية باتت تمتلك نفوذًا كبيرًا داخل الدولة، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، الذي تحول خلال العقود الماضية إلى قوة عسكرية واقتصادية وسياسية هائلة.

كما أن خامنئي أنشأ شبكة بيروقراطية قوية حول مكتبه تضم شخصيات عسكرية وأيديولوجية نافذة، إضافة إلى مؤسسات اقتصادية ضخمة.

وتلعب المؤسسات الخيرية الدينية المعروفة باسم البنياد دورًا اقتصاديًا مهمًا، إذ تسيطر على أصول تقدر بمليارات الدولارات وتستخدم لتمويل الخدمات الاجتماعية للفقراء ودفع رواتب رجال الدين ودعم الصناعات المختلفة.

ويرى خبراء أن المرشد الأعلى المقبل سيكون على الأرجح شخصية دينية محافظة مقبولة لدى المؤسسة الدينية، لكنها أيضًا قادرة على التعايش مع النخبة العسكرية والاقتصادية التي تدير شؤون الدولة اليومية.

 

مرشحون مثيرون للجدل

 

ومن بين الأسماء التي كثيرًا ما تُطرح لخلافة خامنئي نجله مجتبى خامنئي، الذي يتمتع بنفوذ داخل مكتب المرشد الأعلى وأجهزة الاستخبارات، لكنه يفتقر إلى المكانة الدينية العالية التي يتطلبها المنصب، كما أن ارتباطه المباشر بوالده قد يثير انتقادات داخل النظام.

 

كما يُذكر اسم حسن الخميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية، الذي ظهر في الأشهر الأخيرة في مناسبات عامة بارزة، حتى إنه مثل خامنئي في مراسم عسكرية لسلاح الجو.

 

لكن حسن الخميني مُنع عام 2016 من الترشح لعضوية مجلس الخبراء بسبب ما اعتُبر نقصًا في مؤهلاته الدينية، فضلاً عن أن النظام الإيراني لا يفضل فكرة انتقال السلطة بشكل وراثي، ما يجعل ترشيح شخص من عائلة الخميني أو خامنئي أمرًا مثيرًا للجدل.

 

أهمية العلاقة مع المرجعية الشيعية في العراق

 

سيحتاج المرشد الأعلى المقبل أيضًا إلى الحفاظ على علاقة جيدة مع المرجع الشيعي البارز في العراق علي السيستاني، الذي يُعد بعد وفاة خامنئي أبرز مرجعية دينية شيعية في الشرق الأوسط.

 

ويمتد تأثير السيستاني إلى مجتمعات شيعية واسعة في العراق والبحرين والكويت وأفغانستان ولبنان.

 

ويرى مراقبون، أن فقدان العلاقة الجيدة مع السيستاني قد يسبب مشكلة كبيرة في علاقة إيران مع المجتمعات الشيعية في المنطقة.

 

غياب الخليفة الواضح كان مقصودًا

 

يشير محللون إلى أن غياب خليفة واضح لخامنئي لم يكن صدفة، بل نتيجة سياسة اتبعها المرشد الراحل طوال سنوات حكمه، إذ عمل على إبعاد المنافسين المحتملين داخل المؤسسة الدينية.

 

ومن أبرز هؤلاء الرئيس الإيراني الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي لعب دورًا حاسمًا في اختيار خامنئي مرشدًا أعلى عام 1989.

 

وفي عام 2015 طرح رفسنجاني فكرة إنشاء مجلس ديني يتولى قيادة البلاد بدلاً من وجود مرشد أعلى واحد، بهدف نقل إيران إلى نموذج حكم أكثر جماعية واعتدالاً.

 

لكن رفسنجاني توفي عام 2017 إثر ما قيل إنه أزمة قلبية أثناء وجوده في مسبح، فيما اتهمت إحدى بناته لاحقًا جهات داخل النظام بالوقوف وراء اغتياله.

 

معركة البقاء للنظام الإيراني

 

في الوقت الذي تنشغل فيه القيادة الإيرانية بمسألة الخلافة، فإن التحدي الأكثر إلحاحًا يتمثل في الصراع العسكري الجاري.

 

فقد أشارت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى أن الضربات الجوية ضد إيران ستستمر لعدة أيام.

 

ويتوقع خبراء أن تسعى طهران إلى فرض أكبر كلفة ممكنة على الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك على الدول الإقليمية التي قد تفكر في الانضمام إلى الحرب.

 

وقد ردت إيران بالفعل بإطلاق صواريخ باتجاه عدد من دول الخليج، كما حذرت السفن من المرور عبر مضيق هرمز، وهو ممر بحري حيوي لصادرات الطاقة العالمية.

 

وأعلنت القيادة المركزية للجيش الأمريكي، أن ثلاثة جنود أمريكيين قتلوا خلال العمليات العسكرية المشتركة مع إسرائيل.

 

قدرة المؤسسة العسكرية الإيرانية على الصمود

 

يرى محللون أن المؤسسة العسكرية الإيرانية أظهرت قدرة كبيرة على التكيف مع الخسائر.

 

فخلال الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل في الصيف الماضي، قُتل نحو 30 قائدًا عسكريًا إيرانيًا رفيع المستوى، من دون أن يؤدي ذلك إلى تعطيل الهجمات الانتقامية التي نفذتها إيران.

 

ويشير خبراء إلى أن العديد من الدول قد تفقد قدرتها على خوض الحرب إذا فقدت هذا العدد من كبار قادتها، لكن النظام الإيراني يبدو أنه يمتلك قدرة مختلفة على الصمود مقارنة بدول أخرى في المنطقة.

 

تحديات المعارضة الإيرانية

 

واجهت السلطات الإيرانية خلال السنوات الأخيرة موجات احتجاجات واسعة، كان آخرها في يناير الماضي عندما استخدمت قوات الأمن القوة بشكل غير مسبوق لقمع المتظاهرين؛ ما أدى إلى سقوط آلاف القتلى.

 

ودعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإيرانيين إلى السيطرة على حكومتهم بعد توقف القصف، معتبرًا أن لديهم فرصة تاريخية لتحقيق التغيير.

 

لكن خبراء يرون أن المعارضة الإيرانية لا تمتلك حتى الآن وحدة أو قيادة قادرة على إسقاط النظام.

 

مخاوف من غياب خطة لمرحلة ما بعد الحرب

 

يشير محللون إلى أن الولايات المتحدة سبق أن واجهت صعوبات كبيرة في توقع تداعيات التحولات السياسية في إيران بعد الثورة الإسلامية عام 1979، عندما شهدت البلاد اضطرابات واسعة وحربًا مدمرة مع العراق وتوترات إقليمية هددت الأمن القومي الأمريكي.

 

ويرى بعض الخبراء، أن الإدارة الأمريكية الحالية تبدو أقل استعدادًا للتعامل مع تداعيات المرحلة المقبلة.