إعادة الانتشار جنوب اليمن.. حضرموت والمهرة بين تثبيت الأمن وإعادة توازن القوى

إعادة الانتشار جنوب اليمن.. حضرموت والمهرة بين تثبيت الأمن وإعادة توازن القوى

إعادة الانتشار جنوب اليمن.. حضرموت والمهرة بين تثبيت الأمن وإعادة توازن القوى
اليمن

تشهد محافظتا حضرموت والمهرة في جنوب اليمن لحظة فارقة قد تُعيد رسم الخريطة الأمنية والسياسية في واحدة من أكثر المناطق حساسية واستراتيجية في البلاد، فبعد أشهر من التوترات والتجاذبات، تبدو المؤشرات الأخيرة وكأنها تدفع نحو مسار يقلّص حدّة التصعيد، مع بدء عمليات إعادة انتشار وتموضع للقوات في مناطق حيوية مثل ثمود ورماه، وإفساح المجال أمام أبناء المناطق لتولي مسؤولية تأمينها، وبين نفي رسمي لأي انسحاب وبين تأكيد مستمر لمهام «قطع شرايين تهريب السلاح» ومواجهة «التنظيمات الإرهابية»، تتقدم على السطح أسئلة حول حقيقة ما يجري، هل هو إعادة ترتيب للأوراق أم خطوة منظمة لتفادي انفجار أمني محتمل، وفي ظل دور التحالف العربي والقيادة الجنوبية، تبدو حضرموت والمهرة أمام اختبار جديد عنوانه التهدئة المحسوبة، وإعادة تنظيم المشهد بما يحفظ المصالح المحلية والإقليمية على حد سواء.

عبث في ملفات الثروة


في تطور لافت داخل المشهد الجنوبي اليمني، بدأت تتشكل ملامح اتجاه واضح لخفض منسوب التوتر العسكري في محافظتي حضرموت والمهرة، وهما المنطقتان اللتان ظلتا طويلًا في قلب التجاذبات الأمنية والسياسية، نظرًا لموقعهما الجغرافي وأهميتهما الاستراتيجية والاقتصادية.


مصادر ميدانية من عدن أكدت أن عمليات إعادة انتشار تتم حاليًا في مناطق ثمود ورماه وأخرى محيطة، في إطار ترتيبات تهدف – وفق ما يظهر – إلى تثبيت حالة استقرار أكثر تنظيمًا، وإعادة توزيع المسؤوليات بما يضمن مشاركة أكبر للقوات الجنوبية وتفعيل دور أبناء تلك المناطق في حماية مناطقهم.


التغييرات الأخيرة، وفق المصادر، لا تتعلق بمجرد تحريك وحدات عسكرية من موقع إلى آخر، بل تحمل أبعادًا سياسية وأمنية أعمق.

فمحافظة حضرموت على وجه الخصوص لطالما كانت محور جدل بسبب وجود قوات المنطقة العسكرية الأولى، التي ارتبط اسمها بنقاشات حادة حول النفوذ، وإدارة المناطق النفطية، واتهامات بحدوث عبث في ملفات الثروة والانتشار العسكري.


ومع بدء الحديث عن منع عودة تلك القوات إلى مناطق معينة، يبدو واضحًا أن ثمة رغبة جنوبية في فرض معادلة جديدة تستند إلى تمكين القوى المحلية وإغلاق ملف النفوذ المتداخل الذي طال المحافظة لسنوات.

منظومة أمنية


في هذا السياق، جاء البيان الصادر عن القوات الحكومية الجنوبية ليضع خطوطًا عريضة لروايتها الرسمية، فالقوات نفت بشكل قاطع ما يتم تداوله عن انسحابها من حضرموت أو المهرة، مؤكدة استمرار وجودها لأداء مهام تراها استراتيجية، من أبرزها قطع طرق تهريب السلاح إلى الحوثيين، ومواجهة التنظيمات المتطرفة، ومنع استنزاف ثروات الجنوب، الرسالة هنا واضحة، ما يجري ليس تراجعًا ولا فراغًا أمنيًا، بل إعادة تنظيم محسوبة ضمن عملية أوسع أطلقت عليها القيادة الجنوبية “عملية المستقبل الواعد”.


ويشير المتحدث باسم القوات الجنوبية إلى أن الخطوات الحالية تأتي بالتنسيق مع قوات درع الوطن الجنوبية، حيث بدأت بالفعل عملية إشراك هذه القوات بشكل أوسع في إدارة الملف الأمني، وهو تطور يعكس توجهًا نحو توزيع الأعباء وتعزيز حضور تشكيلات جنوبية متعددة تعمل ضمن هدف واحد.


إعادة تموضع اللواء الأول درع وطن في منطقة ثمود، واستعداد وحدات أخرى للتحرك إلى رماه ومناطق مختلفة في حضرموت والمهرة، يعني أن الجنوب يحضر لتثبيت منظومة أمنية أكثر تماسكًا تحت إشراف قيادته السياسية والعسكرية.


لكن خلف هذه التحركات، تبرز دلالات أعمق تتعلق بالتوازنات الإقليمية، فالمحافظتان تقعان في نطاق ممرات استراتيجية ترتبط بالبحر العربي وحدود السعودية وعمان، ما يجعل استقرارهما ليس شأنًا محليًا فحسب، بل جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي.


ولهذا لم يغب دور التحالف العربي الذي يظهر واضحًا في دعم ترتيبات إعادة الانتشار، بما يضمن أمن المنطقة الأوسع ويحول دون تحول حضرموت والمهرة إلى بوابات مفتوحة لتعقيدات إضافية في الحرب اليمنية.

ضبط الإيقاع الأمني


من زاوية أخرى، وصف المحلل السياسي اليمني عمار علي أحمد هذه التطورات بمحاولة احتواء أي تصعيد محتمل بين القوى الجنوبية وأطراف أخرى مؤثرة في المشهد.


وتابع عمار - في حديثه لـ"العرب مباشر" - أن اللغة المستخدمة في البيانات، التي تجمع بين الحزم في تثبيت الوجود العسكري والحديث عن حرص على إنجاح جهود الأشقاء في التحالف وتعزيز الأمن والسلم الدوليين، تعكس سعيًا لتقديم صورة قوة منظمة وليست اندفاعية، قادرة على ضبط الإيقاع الأمني بدلًا من تفجيره.


وأضاف عمّار، في حضرموت تحديدًا، يبدو أن مصير المناطق النفطية سيظل في قلب أي ترتيبات قادمة، إذ تبقى قضية الثروات ومصادر الدخل حاضرة بقوة في خطاب القيادة الجنوبية التي تؤكد رفضها لأي عبث أو استنزاف، مضيفًا، أما في المهرة، التي لطالما كانت منطقة هادئة نسبيًا مقارنة بمحافظات أخرى، فإن تعزيز الوجود الجنوبي فيها يُقرأ كرسالة لمنع أي فراغ قد يسمح بتمرير السلاح أو خلق بؤر توتر مستقبلية.