ترسانة إيران الصاروخية تفرض معادلة ردع جديدة في الشرق الأوسط
ترسانة إيران الصاروخية تفرض معادلة ردع جديدة في الشرق الأوسط
رغم المواجهة العسكرية العنيفة التي شهدها شهر يونيو واستمرت 12 يومًا، والتي ركزت خلالها إسرائيل هجماتها على البنية العسكرية الإيرانية، فإن طهران خرجت من الصراع محتفظة بجزء كبير من قدراتها الصاروخية.
وكشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، أن هذا الواقع يكرس استمرار التهديد الإيراني ليس فقط لإسرائيل، بل أيضًا للولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط، في ظل امتلاك إيران آلاف الصواريخ الباليستية وأنواع متعددة من الأسلحة بعيدة المدى.
قدرات تمتد عبر الإقليم
تقدّر دوائر بحثية وعسكرية، أن إيران تمتلك قرابة ألفي صاروخ باليستي متوسط المدى، قادرة على تغطية مساحات واسعة من المنطقة والوصول إلى أهداف بعيدة، من بينها العمق الإسرائيلي.
كما تحتفظ بمخزون كبير من الصواريخ قصيرة المدى، التي تشكل تهديدًا مباشرًا للقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج، إضافة إلى السفن العابرة لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية العالمية.
ولا تقتصر القدرات الإيرانية على الصواريخ الباليستية، إذ تشمل أيضاً صواريخ كروز مضادة للسفن، وزوارق هجومية سريعة مزودة بطوربيدات، فضلاً عن أسطول متنامٍ من الطائرات المسيّرة، ما يعزز قدرة طهران على استهداف الأصول البحرية والعسكرية الأمريكية في حال اندلاع مواجهة مفتوحة.
معادلة تصعيد معقدة
هذا التنوع في الترسانة يمنح إيران قدرة على توجيه ضربات متعددة الاتجاهات داخل الشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل أي عمل عسكري أمريكي محفوفًا بخطر التصعيد السريع.
ويأتي ذلك في وقت يفضل فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استخدام القوة بشكل مركز وحاسم، دون الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة النطاق.
ويرى خبراء في الشؤون الدفاعية، أن إيران، ورغم الضغوط العسكرية والسياسية، ما تزال تمتلك عنصر الردع بفضل قوتها الصاروخية، التي تجعلها لاعبًا قادرًا على إحداث خسائر حقيقية في حال استهدافها.
تحركات عسكرية أمريكية احترازية
في هذا السياق، عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط، من خلال نشر مجموعة حاملة الطائرات أبراهام لينكولن، إلى جانب إرسال طائرات حربية إضافية، بهدف توفير خيارات عسكرية متعددة للإدارة الأمريكية.
وتزامنت هذه الخطوات مع فترة شهدت اضطرابات داخلية في إيران، اعتُبرت من أخطر التحديات التي واجهها النظام الإيراني خلال سنوات، قبل أن يتم احتواؤها بالقوة.
تحذيرات إيرانية واستعدادات إقليمية
قوبلت هذه التحركات الأمريكية بتحذيرات إيرانية متكررة، أكدت أن أي هجوم سيقابل برد قوي. كما أعلنت جماعات مسلحة موالية لطهران في العراق استعدادها للمشاركة في أي مواجهة محتملة.
وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحديًا كبيرًا يتمثل في حماية شبكة واسعة من القواعد والمنشآت العسكرية المنتشرة في المنطقة.
وتضم هذه الشبكة نحو 24 منشأة عسكرية برية معلنة، تمتد من تركيا شمالاً إلى الكويت جنوبًا، إضافة إلى عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين المنتشرين في دول عدة، من بينها البحرين وقطر والإمارات والسعودية والأردن، فضلاً عن وجود عسكري في البحرين الأحمر والمتوسط وخليج عدن.
القواعد الأمريكية تحت مرمى الصواريخ
أكد مسؤولون أمريكيون، أن ما بين 30 و40 ألف جندي أمريكي يتمركزون في عدد محدود من القواعد الرئيسية بالمنطقة، وجميعها تقع ضمن مدى الصواريخ الإيرانية.
وأشاروا إلى أن آلاف الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى الإيرانية تشكل تهديدًا مباشرًا لهذه القوات، ما دفع واشنطن إلى إعادة تموضع بعض وحداتها خلال الأسابيع الماضية.
وسبق لإيران أن استهدفت قواعد أمريكية في العراق وقطر ردًا على ضربات أمريكية، فيما يرى محللون أن القوات الأمريكية في الأردن ودول الخليج تظل عرضة لهجمات مباشرة أو غير مباشرة، سواء من إيران نفسها أو من حلفائها الإقليميين، مثل الحوثيين في اليمن.
سيناريوهات الرد الإيراني
يتوقع محللون عسكريون، أن تركز إيران، في حال اندلاع مواجهة جديدة، على استهداف القواعد الأقرب إلى أراضيها، مستفيدة من كثافة صواريخها قصيرة المدى.
كما قد تشمل الضربات دولاً خليجية حليفة لواشنطن، في محاولة للضغط على الولايات المتحدة عبر توسيع دائرة الصراع.
ويرى خبراء، أن حجم الترسانة الإيرانية من الصواريخ قصيرة المدى قد يشكل تحدياً كبيراً لمنظومات الدفاع الجوي، حتى المتطورة منها، في حال استخدامها بكثافة وعلى مدى زمني طويل.
الدفاعات الجوية وحدود الفاعلية
تنشر الولايات المتحدة منظومات باتريوت وثاد في عدد من دول المنطقة، وتعمل على تعزيزها بأنظمة إضافية لرفع مستوى الحماية.
غير أن هذه المنظومات مطالبة بالدفاع عن نطاق جغرافي واسع، أكبر بكثير من المساحة التي دافعت عنها إسرائيل خلال حرب يونيو، ما يقلل من قدرتها على التصدي الكامل لهجمات مكثفة ومتزامنة.
ويشير باحثون عسكريون إلى أن نسبة غير قليلة من الصواريخ الإيرانية قد تتمكن من اختراق هذه الدفاعات والوصول إلى أهدافها، خصوصًا في حال استُخدمت تكتيكات الإغراق الصاروخي.
منصات الإطلاق في قلب الاستهداف
في أي هجوم أمريكي محتمل، يتوقع أن تكون منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية من أبرز الأهداف، بهدف تقليص قدرة طهران على تنفيذ ضربات انتقامية.
وخلال حرب يونيو، تمكنت إسرائيل من تدمير جزء كبير من هذه المنصات باستخدام طائرات مقاتلة ومسيّرات متقدمة، إضافة إلى عمليات ميدانية سرية.
وتشير تقديرات إلى أن عدد منصات الإطلاق المتنقلة لدى إيران انخفض بشكل كبير خلال الحرب، إلا أن خبراء يؤكدون أن طهران تعمل حاليًا على إعادة بناء ما دُمر، وتطوير منصات أبسط وأسرع إنتاجاً، ما يعيد ترميم جزء من قدرتها الهجومية.
كشفت المواجهة عن تحدٍ آخر يتمثل في استنزاف مخزونات الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، في ظل نقص عالمي يجعل تعويضها أمرًا معقدًا.
ومع امتداد أي صراع محتمل، ستجد الأطراف نفسها أمام معادلات صعبة تتعلق بإدارة الموارد الدفاعية.
تفوق جوي مقابل هشاشة دفاعية
في المقابل، يرى محللون أن كلفة أي مواجهة ستكون أعلى بكثير على إيران، فقد أظهرت حرب يونيو أن الدفاعات الجوية الإيرانية تعرضت لضربات قاسية، ما أتاح لإسرائيل فرض سيطرة جوية شبه كاملة خلال فترة قصيرة.
ومع استمرار هذا الضعف، سيكون من الصعب على طهران حماية منشآتها الحيوية في حال تعرضها لهجوم أمريكي أو إسرائيلي واسع.
ويجمع خبراء عسكريون على أن التفوق الجوي، المدعوم بعمليات هجومية دقيقة، يبقى عاملاً حاسمًا في تقليص قدرة إيران على الرد، حتى في ظل امتلاكها واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية في المنطقة.

العرب مباشر
الكلمات