خطط إسرائيلية مبكرة لعملية عسكرية واسعة على الحدود مع لبنان

خطط إسرائيلية مبكرة لعملية عسكرية واسعة على الحدود مع لبنان

خطط إسرائيلية مبكرة لعملية عسكرية واسعة على الحدود مع لبنان
جنوب لبنان

تسعى إسرائيل إلى استغلال التطورات الإقليمية الحالية، ولا سيما الحرب مع إيران، لإعادة فتح جبهة لبنان بهدف توجيه ضربة حاسمة لحزب الله، الذي تعتبره تل أبيب أهم وكيل عسكري لطهران في المنطقة.


وبحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية، يأتي هذا التوجه في وقت ترى فيه القيادة الإسرائيلية أن الحزب يمر بمرحلة ضعف غير مسبوقة، ما يفتح نافذة استراتيجية لتحقيق أهداف عسكرية لم تتمكن إسرائيل من تحقيقها في الحروب السابقة.

خطط إسرائيلية سابقة


وفي أوائل يناير، كانت إسرائيل تضع اللمسات الأخيرة على خطط لعملية عسكرية واسعة النطاق على طول حدودها الشمالية مع لبنان.


وجاءت هذه الخطط بعد مرور أكثر من عام على وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة، والذي أنهى رسميًا أشهرًا من المواجهات المفتوحة بين إسرائيل وحزب الله، والتي بلغت ذروتها بغزو بري إسرائيلي لجنوب لبنان.


ووفق مسؤولين إسرائيليين، فإن الحكومة اللبنانية التي تعهدت في اتفاق نوفمبر 2024 بنزع سلاح حزب الله المدعوم من إيران، لم تتمكن من تنفيذ هذا الالتزام.


ورأت القيادة الإسرائيلية آنذاك أن الوقت قد حان لإطلاق عملية عسكرية جديدة تهدف إلى إنهاء قدرة الحزب على إطلاق الصواريخ باتجاه المجتمعات الإسرائيلية في الشمال.

تحول الحسابات بعد اندلاع الاحتجاجات في إيران


بعد ثمانية أيام فقط من بداية العام، تغيرت الحسابات الإسرائيلية بشكل كبير. فقد اجتاحت احتجاجات واسعة مناهضة للنظام الإيراني عدة مدن في إيران، ما جعل الداعم الرئيسي لحزب الله يواجه أزمة داخلية.


هذا التطور دفع المخططين العسكريين الإسرائيليين إلى إعادة ترتيب الأولويات، حيث أصبح التعامل مع إيران هو الهدف الرئيسي، خاصة أن أي عملية واسعة ضدها كانت تتطلب تنسيقًا وثيقًا مع الولايات المتحدة، وهو ما تحول لاحقًا إلى عملية عسكرية مشتركة واسعة النطاق.


ومع ذلك، بقيت الخطط الإسرائيلية لشن هجوم جديد على حزب الله جاهزة للتنفيذ.

حزب الله يمنح إسرائيل الذريعة


في الثاني من مارس، وبعد أقل من 48 ساعة على بدء الضربات المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، أطلق حزب الله ستة صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، وهو ما اعتبرته تل أبيب الفرصة التي كانت تنتظرها.


وقال قائد القيادة الشمالية في الجيش الإسرائيلي اللواء رافي ميلو إن حزب الله وقع في كمين استراتيجي، واصفًا الهجوم الصاروخي الذي جاء ردًا على الغارات الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بأنه خطأ جسيم.


وأضاف أن الضربات الإسرائيلية ستستمر حتى يتلقى حزب الله ضربة قاسية.

موجات قصف إسرائيلية واسعة في لبنان


عقب ذلك، شنت إسرائيل موجات متتالية من الغارات الجوية في أنحاء لبنان، مؤكدة أن أهدافها تشمل قادة بارزين في حزب الله وبنية القيادة والسيطرة ومستودعات الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ ومرافق التدريب العسكري.


وأصدر الجيش الإسرائيلي عشرات التحذيرات للسكان لإخلاء مناطق في جنوب لبنان، ما أدى إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين شمالًا إلى ما بعد نهر الليطاني.


وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن عدد القتلى تجاوز 680 شخصًا.


كما كانت إسرائيل قد أقامت بالفعل موطئ قدم عسكريًا في جنوب لبنان بعد وقف إطلاق النار عام 2024، حيث سيطرت على خمس نقاط استراتيجية. وفي الأيام الأخيرة تقدمت القوات الإسرائيلية أكثر من كيلومتر داخل الأراضي اللبنانية، ووصفت هذا التقدم بأنه منطقة دفاع أمامي عازلة.

اتهامات لبنانية لإسرائيل وانتقادات لحزب الله


من جانبه، أدان الرئيس اللبناني جوزيف عون التقدم الإسرائيلي، متهمًا إسرائيل بعدم احترام قوانين الحرب أو القانون الدولي.
وفي الوقت نفسه، وجه انتقادات حادة لحزب الله، معتبرًا أن الحزب خان البلاد، كما أعلن حظر أنشطته العسكرية.

قدرات حزب الله رغم الضربات


كان حزب الله يُعد لسنوات أحد أقوى الفاعلين المسلحين غير الحكوميين في العالم، إذ حصل على تمويل يقدر بنحو مليار دولار سنويًا من إيران على مدى عقدين، وفق مسؤول عسكري سابق.


وقد نجحت إسرائيل في تصفية عدد من قادة الحزب واستهداف ترسانته الصاروخية الضخمة، إلا أن الحزب لا يزال قادرًا على الرد، حيث أطلق مئات الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه إسرائيل، وغالبًا ما تزامنت هذه الهجمات مع إطلاق صواريخ باليستية إيرانية.


وفي إحدى الهجمات مساء الأربعاء، أطلق حزب الله أكثر من 100 صاروخ دفعة واحدة.


كما نفذ الحزب هجمات مباشرة ضد مواقع الجيش الإسرائيلي، وحاولت قوات النخبة التابعة له المعروفة باسم قوة الرضوان تنفيذ عمليات توغل داخل شمال إسرائيل.


وأسفرت الاشتباكات في جنوب لبنان عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة 14 آخرين على الأقل، وفق الجيش الإسرائيلي.

بقايا قوة حزب الله بعد حرب 2023

كانت إسرائيل قد أضعفت حزب الله بشكل كبير خلال الصراع الذي استمر 13 شهرًا وبدأ بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، عندما فتح الحزب جبهة ثانية ضد إسرائيل من الأراضي اللبنانية في اليوم التالي.

لكن تقديرات الجيش الإسرائيلي عند توقيع وقف إطلاق النار في عام 2024 أشارت إلى أن الحزب لا يزال يحتفظ بنحو ثلث ترسانته الصاروخية قبل الحرب.

وقال مسؤول عسكري إسرائيلي إن امتلاك الحزب حتى 10 أو 30 في المئة من تلك الترسانة لا يزال يشكل تهديدًا خطيرًا للمدنيين في شمال إسرائيل.

وخلال ترتيبات وقف إطلاق النار، نقل حزب الله معظم قواته ومعداته إلى شمال نهر الليطاني، لكنه احتفظ بقدرات عسكرية في جنوب لبنان تشمل أسلحة دقيقة قادرة على إصابة أهداف ضمن مدى يتراوح بين 8 و10 كيلومترات وصواريخ مضادة للدبابات وبرنامجًا نشطًا للطائرات المسيرة.

 

محاولات إعادة بناء القوة

منذ وقف إطلاق النار عام 2024، نفذت إسرائيل ضربات شبه يومية ضد عناصر حزب الله وبنيته التحتية في جنوب لبنان، متهمة الحزب بمحاولة إعادة التسلح وإعادة بناء قدراته العسكرية.

وفي الأشهر الأخيرة توصلت القيادة الإسرائيلية إلى قناعة بأن عملية إعادة تأهيل الحزب تسير بوتيرة أسرع من قدرة الجيش الإسرائيلي على تعطيلها.

ووصف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير الحملة العسكرية في لبنان بأنها فرصة.

وقال مسؤول إسرائيلي رفيع إن إسرائيل تريد إنهاء المهمة في لبنان.

 

الأهداف الإسرائيلية في لبنان

تؤكد إسرائيل أن حملتها العسكرية في لبنان تهدف إلى تحقيق هدفين رئيسيين: إضعاف قدرات حزب الله العسكرية وتعزيز أمن الحدود الشمالية لإسرائيل.

ويرى مسؤولون إسرائيليون أن هذه الحملة تعكس تغييرًا أوسع في العقيدة الاستراتيجية الإسرائيلية منذ أكتوبر 2023، حيث تعتقد إسرائيل أن عليها إنشاء خطوط دفاع عسكرية قوية لحماية المدنيين من القوى المدعومة من إيران على حدودها.

ففي أكتوبر 2023 اضطرت إسرائيل إلى إجلاء أكثر من 60 ألف شخص من المناطق القريبة من الحدود مع لبنان، وهي خطوة تقول إنها لن تسمح بتكرارها مرة أخرى.

ولهذا السبب قامت إسرائيل بإنشاء أو توسيع مناطق عازلة جديدة في غزة ولبنان وسوريا.

 

ضغوط سياسية لتوسيع المنطقة العازلة

يتماشى هذا التوجه الأمني مع طموحات التوسع لدى الائتلاف اليميني الحاكم في إسرائيل.

فقد قال عضو الكنيست من حزب الليكود عميت هاليفي إن نهر الليطاني، الواقع على بعد نحو عشرة كيلومترات داخل جنوب لبنان، يجب أن يصبح الخط الأصفر الجديد لشمال إسرائيل، في إشارة إلى الخط الذي انسحبت إليه إسرائيل داخل قطاع غزة.

ورغم أن المسؤولين العسكريين يؤكدون أن العمليات الحالية محدودة وموجهة، فإن الضغوط السياسية لتوسيع المنطقة العازلة على المدى الطويل لا تزال قائمة.

 

نافذة استراتيجية لإنهاء الصراع

تعتقد إسرائيل أن حزب الله يمر بأضعف مراحله منذ سنوات، خاصة مع تعطل خطوط التمويل والتسليح القادمة من إيران، إضافة إلى تراجع دعم بعض اللبنانيين له.

وقال مسؤول عسكري إسرائيلي إن إسرائيل يجب أن تستغل نافذة الفرصة التي نشأت عندما اختار حزب الله فتح الحرب، من أجل إنهاء ما لم يتم إنجازه في السابق.

لكن في الوقت الراهن تبقى إيران هي الأولوية الأولى لإسرائيل.

ويرى خبراء عسكريون أن إسرائيل قد تحول تركيزها بالكامل إلى لبنان بعد انتهاء المواجهة مع إيران، وهو قرار قد يعتمد في جزء منه على موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وفي حال انتهاء العمليات ضد إيران، فإن سلاح الجو الإسرائيلي سيكون قادرًا على دعم عملية برية واسعة ضد حزب الله في لبنان.

ويشير التقدير العسكري إلى أن الجبهة الإيرانية لن تبقى مفتوحة إلى الأبد، وأن إسرائيل قادرة على الاستمرار لعدة أسابيع أخرى في مواجهة محدودة مع حزب الله قبل الانتقال إلى هجوم واسع النطاق.