شرقي حلب يشتعل مجددًا.. صدام الدولة و«قسد» يهدد بتفجير الشمال

شرقي حلب يشتعل مجددًا.. صدام الدولة و«قسد» يهدد بتفجير الشمال

شرقي حلب يشتعل مجددًا.. صدام الدولة و«قسد» يهدد بتفجير الشمال
اشتباكات سوريا

لم تكن ليلة الاشتباكات شرق حلب مجرد حادث أمني عابر في جغرافيا سورية اعتادت على صوت الرصاص، بل بدت كإشارة سياسية صاخبة إلى مرحلة جديدة من الصراع بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.

 فبعد سنوات من التعايش القلق والهدن الهشة، تعود المنطقة الواقعة بين حلب ونهر الفرات لتتحول إلى ساحة اختبار حقيقي لمستقبل الترتيبات الداخلية في سوريا ما بعد الحرب الكبرى، إعلان دمشق المنطقة "عسكرية مغلقة" ومطالبتها القوات الكردية بالانسحاب، يقابله خطاب كردي يتحدث عن "هجوم شامل" يجري التحضير له، وبين الروايتين، يقف المدنيون في قرى الريف الشرقي لحلب وسط معادلة أمنية هشّة، حيث الطائرات المسيّرة تحلّق فوق البيوت، والرشاشات الثقيلة تحوّل أطراف القرى إلى خطوط تماس مفتوحة، ما يجري هنا يتجاوز كونه اشتباكًا محدودًا؛ إنه فصل جديد من صراع السيادة، والهوية، وشكل الدولة السورية المقبلة.

رسائل بالنار في ريف حلب

تجدد القتال ليلًا في محيط قرى حميمة وزبيدة ودير حافر لم يكن مفاجئًا لمن يتابع تطور الخطاب بين دمشق وقسد منذ أسابيع، الجيش السوري تحدث عن استهداف نقاطه ومنازل مدنيين بالرشاشات الثقيلة والطائرات المسيّرة، فيما ردّت القوات الحكومية على "مصادر النيران". 

في المقابل، أكدت «قسد» أنها أحبطت محاولة تسلل نفذتها "فصائل حكومة دمشق"، وأجبرت المهاجمين على الفرار بعد فشلهم، هذا التناقض في السرديات يعكس طبيعة الصراع نفسه كل طرف يرى في الآخر قوة مهاجمة، ويضع نفسه في خانة الدفاع المشروع.

لكن الأهم من تبادل الاتهامات هو السياق العسكري الأوسع، دمشق أعلنت المنطقة الممتدة من شرق مدينة حلب حتى نهر الفرات "منطقة عسكرية مغلقة"، ونشرت خريطة تحدد القرى المطلوب انسحاب القوات الكردية منها، مثل مسكنة ودير حافر وبابيري وقواس، بالتوازي، شوهدت تعزيزات حكومية تتحرك نحو محيط دير حافر، ما منح القرار طابعًا عمليًا لا رمزيًا.

هذه الخطوات تحمل رسالة مزدوجة، داخليًا، تؤكد الدولة السورية أنها ماضية في استعادة السيطرة الكاملة على الجغرافيا الشمالية، وخارجيًا، توحي بأن زمن المناطق الرمادية يقترب من نهايته، في المقابل، ترى «قسد» أن ما يجري ليس عملية محدودة بل مقدمة لهجوم واسع يهدد وجودها غرب الفرات، وهو ما عبّرت عنه بوضوح إلهام أحمد حين حذرت من "نية لتوسيع الهجمات" تتجاوز ذريعة ملاحقة حزب العمال الكردستاني.

من الشراكة الهشة إلى المواجهة المفتوحة

يعود التوتر الحالي إلى تعثر تنفيذ الاتفاق المبرم بين الطرفين، والذي كان يفترض إنجازه بنهاية 2025، وينص على دمج مؤسسات الإدارة الذاتية الكردية ضمن إطار الدولة السورية، هذا الاتفاق مثّل محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين المركز والهامش بعد سنوات من الحرب والانقسام، غير أن الأشهر الماضية كشفت هشاشته، مع تبادل الطرفين الاتهامات بإفشاله.

سيطرة الجيش السوري الكاملة على مدينة حلب، بما فيها حيي الشيخ مقصود والأشرفية ذوي الغالبية الكردية، شكّلت نقطة تحول مفصلية، فحلب ليست مجرد مدينة كبرى؛ إنها عقدة استراتيجية تربط الشمال السوري بعمقه الاقتصادي والسياسي.
 
إخراج المقاتلين الأكراد من أحيائها أنهى وضعًا خاصًا استمر سنوات، وأعاد المدينة إلى سلطة مركزية كاملة، ما شجع دمشق على التقدم خطوة إضافية شرقًا.

في المقابل، تتمسك «قسد» بمناطق نفوذها الواسعة في شمال وشرق سوريا، حيث تتركز أهم حقول النفط والغاز، هذه المناطق ليست فقط مصدر قوة اقتصادية، بل أيضًا ورقة سياسية في أي تسوية مستقبلية، كما أن «قسد» تستند إلى سجلها في محاربة تنظيم داعش، حيث شكّلت رأس الحربة في دحره بدعم من التحالف الدولي عام 2019، وهو ما يمنحها شرعية دولية نسبية تخشى فقدانها إذا تراجعت ميدانيًا أمام دمشق.

الاشتباكات الأخيرة تأتي أيضًا في سياق وطني أكثر اضطرابًا، بعد موجات عنف طائفية ضربت الساحل السوري في مارس، ثم الجنوب في يوليو، هذا المناخ يعمّق المخاوف من انزلاق البلاد إلى جولات جديدة من الفوضى، ويجعل أي مواجهة واسعة في الشمال الشرقي ذات آثار تتجاوز حدودها الجغرافية.

إلى أين يتجه شرق حلب؟

المنطقة الممتدة بين حلب والفرات تتحول تدريجيًا إلى ساحة اختبار لمعادلة ما بعد الحرب في سوريا، دمشق تراهن على أن استعادة هذه الجغرافيا ستكرّس فكرة الدولة الموحدة ذات السيادة الكاملة، وتغلق الباب أمام أي صيغة حكم ذاتي خارج إطارها. 

في المقابل، ترى «قسد» أن الانسحاب دون ضمانات سياسية حقيقية يعني نهاية مشروع الإدارة الذاتية، وخسارة مكتسبات بُنيت خلال عقد من الزمن، السيناريو الأول يتمثل في تصعيد محدود ومدروس، يهدف إلى الضغط المتبادل دون الانزلاق إلى حرب شاملة، هذا المسار قد يُستخدم لفرض تنازلات تفاوضية، خاصة مع وجود أطراف دولية تفضّل الحفاظ على قدر من الاستقرار في مناطق النفط والحدود مع العراق.

السيناريو الثاني هو توسع المواجهة وتحولها إلى معركة مفتوحة غرب الفرات، وهو خيار يحمل مخاطر عالية على المدنيين، ويهدد بإعادة رسم خرائط السيطرة بالقوة، في وقت لم تتعافَ فيه البلاد بعد من آثار الحرب الطويلة.

أما السيناريو الثالث، فيقوم على إعادة إحياء مسار تفاوضي أكثر جدية، تفرضه مخاوف الانفجار الشامل. هذا يتطلب ضغوطًا خارجية على الطرفين، وضمانات متبادلة حول شكل الاندماج السياسي والأمني، بين هذه المسارات، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف، فقرى مثل حميمة وزبيدة ودير حافر باتت عالقة بين مشروعين متصادمين.