ارتباك في جنوب اليمن.. فرار سجناء القاعدة يعيد كابوس التنظيم إلى الواجهة
ارتباك في جنوب اليمن.. فرار سجناء القاعدة يعيد كابوس التنظيم إلى الواجهة
يعود شبح تنظيم القاعدة ليخيّم مجددًا على جنوب اليمن، لكن هذه المرة في لحظة سياسية وأمنية بالغة الحساسية، فبينما تنشغل القوى المحلية بصراعات النفوذ وترتيبات السيطرة، يطل التنظيم المتشدد ليملأ تلك الفجوات بدماء الجنود وهلع السكان.
الهجمات المتزامنة التي استهدفت محافظتي شبوة وأبين، إلى جانب حادثة فرار سجناء من سجن مركزي في زنجبار، لم تكن مجرد عمليات معزولة بقدر ما بدت رسالة واضحة مفادها أن التنظيم ما يزال يمتلك القدرة على الحركة والتخطيط والضرب في توقيت واحد وبجغرافيا مترابطة، ومع كل انفجار عبوة ناسفة، وكل كمين يوقع ضحايا جدد، يبدو الجنوب أكثر هشاشة أمام مشهد أمني يتآكل بفعل التصعيد السياسي وتبدّل أولويات القوى المعنية بمكافحة الإرهاب، إن ما يحدث اليوم ليس عودة مفاجئة للقاعدة، بل نتيجة مباشرة لفراغات أمنية تُدار بطريقة لا تخدم سوى الجماعات المتطرفة.
الإرهاب يتوسع
شهدت محافظتا شبوة وأبين، خلال الساعات الماضية، سلسلة هجمات متزامنة نسبت لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب؛ ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات الجنوبية، إلى جانب تطور خطير تمثل في نجاح عدد من سجناء التنظيم في الفرار من أحد السجون المركزية بمدينة زنجبار.
هذه الوقائع مجتمعة أعادت إلى الواجهة سؤال الأمن في جنوب اليمن، وقدرة الأجهزة المسؤولة على سد الفراغات التي تتسع مع كل توتر سياسي وتنازع داخلي، في شبوة، كانت قوات العمالقة جنوب غربي مدينة عتق على موعد مع هجوم مباغت إثر تفجير عبوة ناسفة عن بُعد استهدفت دورية عسكرية للواء 32 ضمن الفرقة الثالثة.
بحسب مصادر عسكرية، أسفر الانفجار عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة سبعة آخرين، في عملية تعكس تطورًا لافتًا في أساليب الاستهداف القائمة على الرصد المسبق واختيار المواقع التي تضمن أكبر قدر من الخسائر والتأثير.
هذه العملية جاءت بعد ساعات فقط من هجوم آخر في أبين، حيث استهدفت آلية عسكرية تابعة لقوات الدعم والإسناد الجنوبية في مديرية مودية، وأدت إلى إصابة النقيب فواز الشبحي بجروح خطيرة ومقتل أحد مرافقيه، بهذا التزامن الزمني والمناطقي، بدا أن التنظيم يتحرك وفق خطة متناسقة تستهدف إنهاك القوات الجنوبية وخلق حالة ارتباك ميداني.
القاعدة ترسل إنذار أمني
غير أن التطور الأخطر تمثل في الهجوم الذي شنه مسلحون من القاعدة على حراسة السجن المركزي بمدينة زنجبار في محافظة أبين، وهو السجن الذي يضم عددًا من عناصر التنظيم.
وتمكن عدد من السجناء من الفرار بعد الاشتباك مع الحراسة، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى الانتشار الكثيف داخل المدينة وفي محيطها لمحاولة السيطرة على الموقف وملاحقة الفارين.
حادثة كهذه لا تُقرأ فقط باعتبارها إنجازًا ميدانيًا للتنظيم، بل كإنذار أمني شديد الخطورة، لأن فرار عناصر مدربة ومتشددة يعني عمليًا تغذية الجبهات المفتوحة وخلايا الظل بمزيد من الخبرات والكوادر.
حسابات مرتبطة بالجهاز الإعلامي لتنظيم القاعدة سارعت إلى تبنّي هذه العمليات، مؤكدة أن جناح “أنصار الشريعة” العسكري هو من نفّذ الهجمات في شبوة وأبين، ورغم البعد الدعائي لمثل هذه الإعلانات، فإن الوقائع الميدانية تثبت قدرة التنظيم على إعادة التموضع في الفراغات الأمنية الناتجة عن إعادة ترتيب خرائط السيطرة في الجنوب، خاصة في ظل توترات سياسية وتصعيد من قوى محلية، ما أدى إلى تشتيت الجهود الأمنية التي كانت مكرسة سابقًا لمواجهة الجماعات الإرهابية.
تحدٍ معقد
خلال النصف الأول من عام 2025، نفذ التنظيم أكثر من 30 هجومًا في محافظتي شبوة وأبين وفق تقارير أممية، بعد أن أعاد صياغة استراتيجيته العملياتية وأعطى الأولوية لبناء تحالفات تكتيكية تغذي حضوره وتمنحه حرية حركة أوسع.
ويشير هذا المسار إلى أن القاعدة لم تعد تعمل كتنظيم مضروب أو مطارد بقدر ما تتحرك ككيان مرن يتغذى على هشاشة الدولة وتعدد مراكز القوة واختلاط المهام الأمنية والسياسية.
سياسيًا وأمنيًا، يضع هذا التصعيد الجنوب أمام تحدٍ بالغ التعقيد، كيف يمكن خوض معارك النفوذ الداخلية وإدارة الملفات السياسية دون أن تتحول المناطق إلى ساحات مفتوحة للتنظيمات المتطرفة، وكيف يمكن الحفاظ على سياسات مكافحة الإرهاب في ظل إعادة توزيع القوة وتراجع التنسيق؟
الوقائع الأخيرة تقول: إن التنظيم لم يعد بقدر ما استعاد الفرصة، فحين تتراجع الأولويات الأمنية أمام الحسابات السياسية، وحين تنشغل القوى المحلية في صراع مواقع، تصبح الجماعات الإرهابية الطرف الأكثر جاهزية لملء الفراغ.
ومع كل عملية، لا يكتفي التنظيم بقتل جنود أو إرباك دوريات، بل يرسل رسالة أعمق: الجنوب هشّ، وأن قدرته على الحسم ما تزال بعيدة ما لم يُعاد ترتيب البيت الأمني على أسس صلبة.

العرب مباشر
الكلمات