قرار أممي بتسريح موظفي الإغاثة يضاعف مخاطر الجوع في اليمن

قرار أممي بتسريح موظفي الإغاثة يضاعف مخاطر الجوع في اليمن

قرار أممي بتسريح موظفي الإغاثة يضاعف مخاطر الجوع في اليمن
اليمن

في بلد أنهكته الحرب وأفرغت اقتصاده من مقومات الصمود، يأتي قرار برنامج الأغذية العالمي بتسريح موظفيه اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين شمال اليمن ليضيف طبقة جديدة من القلق إلى مشهد إنساني معقد، فالقرار لا يطال مؤسسة إغاثية فحسب، بل يلامس شريانًا حيويًا يعتمد عليه ملايين اليمنيين للبقاء، وبينما تتقاطع اعتبارات الأمن الميداني مع شحّ التمويل الدولي، تتبدّى مفارقة قاسية، الحاجة الإنسانية تتصاعد في اللحظة نفسها التي تتقلّص فيها القدرة على الاستجابة، في الشمال، حيث تتركز كثافة سكانية كبيرة تحت وطأة النزاع، يصبح توقف عمليات أكبر برنامج غذائي في العالم أشبه بإطفاء مصباح في نفق بلا مخارج.

تسريح الموظفين

أعلن برنامج الأغذية العالمي عزمه تسريح جميع موظفيه اليمنيين العاملين في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين شمال اليمن مع نهاية مارس 2026، في خطوة تنذر عمليًا بتوقف أنشطة البرنامج في تلك المناطق، ويأتي القرار، بحسب مسؤول أممي، نتيجة مزيج ضاغط من تدهور الوضع الأمني في بيئة العمل وصعوبات تمويلية متفاقمة، ما قيد قدرة البرنامج على العمل بأمان وكفاءة.

القرار يشمل 365 موظفًا، جميعهم يمنيون، وهو رقم يعكس حجم البنية التشغيلية التي كان يعتمد عليها البرنامج للوصول إلى ملايين المستفيدين في الشمال.

مع أن البرامج الإنسانية غالبًا ما تدار بأطقم محلية لضمان الاستدامة وفهم السياق، فإن فقدان هذه الكوادر يعني تعطّل سلاسل التوزيع، وتآكل القدرة على الرصد والتقييم، وانقطاع قنوات التواصل مع المجتمعات المحلية.

أزمات عالمية متزامنة

منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء عام 2014، اتسعت رقعة النزاع وتحول إلى حرب متعددة الأوجه ضد الحكومة المعترف بها دوليًا، ما خلّف مئات آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، ودمّر البنية التحتية، وأدخل البلاد في دوامة من الانهيار الاقتصادي.

في هذا السياق، لعب برنامج الأغذية العالمي دورًا محوريًا في الحد من الانزلاق الكامل نحو المجاعة، عبر مساعدات غذائية مباشرة، وبرامج تغذية علاجية، ودعم شبكات الأمان للفئات الأكثر هشاشة، غير أن العمل الإنساني في الشمال ظل محفوفًا بمخاطر متزايدة، تشمل قيود الحركة، والتدخلات في آليات التوزيع، وتحديات ضمان سلامة العاملين.

 ومع تصاعد هذه المخاطر، باتت كلفة التشغيل بمفهومها الأمني واللوجستي أعلى من قدرة البرنامج على الاحتمال، خاصة في ظل تراجع التمويل الدولي، فالمانحون، الذين يواجهون بدورهم أزمات عالمية متزامنة، أعادوا ترتيب أولوياتهم، ما انعكس انخفاضًا في المخصصات الموجهة لليمن.

أسوأ أزمة إنسانية

تداعيات القرار لا تتوقف عند حدود الشمال، فاليمن، الذي تصفه الأمم المتحدة بأنه يواجه أسوأ أزمة إنسانية في العالم، يعتمد أكثر من نصف سكانه على المساعدات الإنسانية للبقاء، ومع توقعات أممية بتفاقم الأوضاع خلال عام 2026، يصبح توقف عمليات برنامج الأغذية العالمي عاملًا مضاعفًا للخطر، إذ يتزامن مع تراجع القدرة الشرائية، وارتفاع أسعار الغذاء، وتدهور الخدمات الصحية.

وتحذر الأمم المتحدة من أن سوء التغذية خاصة بين الأطفال والنساء قد يشهد ارتفاعًا مقلقًا إذا لم تُسد الفجوة التي سيخلّفها غياب البرنامج.

فبرامج التغذية العلاجية التي كانت تستهدف الأطفال دون الخامسة والحوامل والمرضعات تُعدّ خط الدفاع الأول ضد الوفيات التي يمكن الوقاية منها، كما أن توقف الدعم الغذائي قد يدفع الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيّف قاسية، مثل تقليص الوجبات، أو إخراج الأطفال من المدارس، أو اللجوء إلى الديون والعمل الهش.

سياسيًا، يعكس القرار حدود الحيّز المتاح للعمل الإنساني في نزاع طويل الأمد، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية والاقتصادية، كما يسلط الضوء على هشاشة نموذج الاعتماد على التمويل الطوعي في أزمات ممتدة.

على الأرض، يواجه الموظفون المسرّحون مصيرًا اقتصاديًا صعبًا في سوق عمل شبه مشلول، بينما تفقد المجتمعات المحلية حلقة وصل أساسية مع منظومة الإغاثة، وبينما تؤكد الأمم المتحدة ضرورة مكافحة سوء التغذية وتحسين الوضع الصحي في اليمن، يبدو أن الأدوات المتاحة لتحقيق هذه الأهداف تتقلّص، ما لم تُبذل جهود عاجلة لتأمين التمويل، وتوفير ضمانات أمنية، وابتكار صيغ عمل بديلة توازن بين السلامة والواجب الإنساني.