واشنطن تغلق الأبواب في وجه السلطة الفلسطينية.. معركة جديدة على أبواب الأمم المتحدة
واشنطن تغلق الأبواب في وجه السلطة الفلسطينية.. معركة جديدة على أبواب الأمم المتحدة

في خطوة تعكس توترًا متجددًا بين الإدارة الأمريكية والقيادة الفلسطينية، أعلنت واشنطن رفضها منح الرئيس محمود عباس وعدد كبير من المسؤولين الفلسطينيين تأشيرات دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر المقبل في نيويورك.
القرار، الذي جاء تحت ذريعة "مخاوف أمنية وسياسية"، يفتح الباب أمام مواجهة دبلوماسية حادة، ويعيد إلى الأذهان واقعة تاريخية عام 1988 حين منعت إدارة الرئيس رونالد ريغان الزعيم ياسر عرفات من دخول الأراضي الأمريكية، ما دفع الأمم المتحدة لنقل جلستها إلى جنيف في مشهد ما يزال حاضرًا في الذاكرة السياسية، وبينما ترى السلطة الفلسطينية، أن الخطوة تمثل "انتهاكًا صارخًا" لاتفاقية مقر الأمم المتحدة، اعتبرتها إسرائيل "مبادرة شجاعة" من إدارة ترامب، ومع تعاظم النقاش الدولي حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية، يظل السؤال مطروحًا، هل يتكرر السيناريو القديم، فتلتف الأمم المتحدة حول الفلسطينيين مجددًا؟
عقوبة سياسية
أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، مساء الجمعة، أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ومعه نحو ثمانين مسؤولاً من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير، لن يحصلوا على تأشيرات دخول للمشاركة في أعمال الدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، واستثنت واشنطن من قرارها البعثة الدائمة لدولة فلسطين لدى الأمم المتحدة، لكنها شددت على أن مشاركة الوفد السياسي الفلسطيني في الاجتماعات "لن تكون ممكنة هذه المرة".
القرار فُسّر فلسطينيًا على أنه عقوبة سياسية بامتياز، خاصة وأنه جاء بعد أيام قليلة من إعلان عدة دول غربية، أبرزها بريطانيا وفرنسا وأستراليا وكندا، استعدادها للاعتراف الرسمي بدولة فلسطين.
هذا التزامن أثار شكوكًا بأن واشنطن تسعى لإجهاض موجة الاعترافات قبل أن تصل إلى منصة الأمم المتحدة، حيث كان من المتوقع أن يستثمر عباس خطاب الجمعية العامة لإعلان ما يشبه "الاستقلال الفلسطيني الجديد".
الموقف الفلسطيني.. رفض وغضب دبلوماسي
الرئاسة الفلسطينية عبّرت فورًا عن أسفها واستغرابها الشديدين للقرار، مؤكدة أنه يتعارض مع القانون الدولي ومع اتفاقية مقر الأمم المتحدة، التي تضمن حق جميع الوفود بالمشاركة في اجتماعات المنظمة.
وطالبت الإدارة الأمريكية بإعادة النظر والتراجع عن القرار، فيما شدد نائب رئيس السلطة حسين الشيخ على أن الخطوة تجسّد ازدواجية المعايير الأمريكية، وتضرب أسس القانون الدولي.
وزارة الخارجية الفلسطينية بدورها أصدرت بيانًا وصفت فيه الموقف الأمريكي بأنه "انتهاك صارخ" لاتفاقية أممية ملزمة، داعية الأمين العام أنطونيو غوتيريش ومجلس الأمن والدول الأعضاء إلى التدخل الفوري لوقف ما وصفته بـ"تسييس مقصود" لآليات الأمم المتحدة.
إسرائيل.. إشادة بقرار واشنطن
في المقابل، كان رد الفعل الإسرائيلي مختلفًا تمامًا، إذ اعتبر وزير الخارجية جدعون ساعر أن رفض منح التأشيرات "مبادرة شجاعة" تستحق الشكر من إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وأضاف -في تصريحات عبر منصة "إكس"-، أن هذه الخطوة تُحمّل السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير مسؤولية تحريضهما على الكراهية ومكافأتهما للإرهابيين، فضلاً عن محاولاتهما المتكررة لتشويه صورة إسرائيل عبر المحافل الدولية.
بحسب مصادر مطلعة نقل عنها موقع أكسيوس، فإن إدارة ترامب تخشى أن يستغل عباس منبر الجمعية العامة لإعلان الاستقلال الفلسطيني على نحو رمزي، وهو ما كان سيشكل إحراجًا سياسيًا كبيرًا لواشنطن أمام حلفائها الغربيين، لا سيما في ظل الزخم الدولي المتنامي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وتشير هذه المصادر إلى أن ساعر نفسه لعب دورًا مباشرًا في إقناع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بضرورة منع الوفد الفلسطيني من الحضور.
استدعاء الماضي.. سيناريو 1988
الخطوة الأمريكية الحالية تعيد للأذهان أزمة مشابهة عام 1988 حين منعت إدارة ريغان الزعيم الراحل ياسر عرفات من دخول الولايات المتحدة لإلقاء كلمته أمام الأمم المتحدة. حينها، ردت الجمعية العامة بقرار تاريخي يقضي بنقل اجتماعاتها إلى جنيف، حيث ألقى عرفات خطابه الشهير أمام أكثر من مئة دولة، في جلسة انتهت بتبني قرار يعترف باسم فلسطين داخل الأمم المتحدة، وبتأكيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أراضيه المحتلة.
ذاك الحدث شكّل منعطفًا في مسار القضية الفلسطينية، ورسخ مكانتها كقضية مركزية في الضمير الدولي. واليوم، يرى محللون، أن قرار إدارة ترامب قد يدفع نحو تكرار السيناريو ذاته، إذ قد تجد الأمم المتحدة نفسها مضطرة لإظهار حيادها أمام ما يوصف بـ”ابتزاز سياسي أمريكي”، خاصة إذا صعّدت السلطة الفلسطينية تحركاتها داخل المنظمة.
بلطجة دبلوماسية
من جانبه، يرى المحلل الفلسطيني والباحث في العلاقات الدولية والشؤون القانونية، توفيق نعمان العابد، أن قرار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو برفض منح تأشيرات دخول للرئيس محمود عباس ووفده إلى اجتماعات الأمم المتحدة يشكل سابقة خطيرة، في تاريخ المنظمة الدولية.
ويصف العابد في حديثه لـ"العرب مباشر"، هذه الخطوة بأنها نوع من "البلطجة الدبلوماسية" التي تتعارض صراحة مع ميثاق الأمم المتحدة واتفاقية المقر، التي تلزم الولايات المتحدة كدولة مضيفة بتمكين جميع الوفود الرسمية من المشاركة في أعمال المنظمة دون قيود سياسية.
ويشير العابد إلى أن هذا القرار يعكس نزعة أمريكية متصاعدة نحو تسييس القانون الدولي وإخضاعه لحسابات ضيقة تتعلق بالتحالف مع إسرائيل، وهو ما يقوّض مكانة الأمم المتحدة كمنبر عالمي يفترض أنه محايد.
ويرى أن الرد الفلسطيني يجب ألا يقتصر على الاعتراض اللفظي، بل يتطلب خطوات عملية تبدأ بإعلان مقاطعة شاملة لإدارة ترامب، بما في ذلك إغلاق سفارة إسرائيل في واشنطن والمطالبة بسحب السفير الأمريكي من الأراضي الفلسطينية.
كما دعا العابد إلى تحريك دعوى قضائية ضد الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب أمام محكمة الجنايات الدولية بتهمة التواطؤ في جرائم الإبادة الجماعية، وأمام محكمة العدل الدولية بتهمة خرق القانون الدولي والاتفاقيات الدولية، مؤكدًا أن المواجهة القانونية هي السبيل الأنجح لردع واشنطن عن تكرار مثل هذه الانتهاكات.