الإخوان في مرمى واشنطن.. زلزال سياسي يقترب من الخرطوم

الإخوان في مرمى واشنطن.. زلزال سياسي يقترب من الخرطوم

الإخوان في مرمى واشنطن.. زلزال سياسي يقترب من الخرطوم
السودان

في بلدٍ يئنّ تحت وطأة حرب مدمرة وانهيار مؤسساتي غير مسبوق، تعود الحركة الإسلامية السودانية إلى واجهة الاتهام، لا بوصفها مجرد لاعب سياسي قديم، بل كأحد المتهمين الرئيسيين بإشعال النار ثم النفخ فيها، تزامنًا مع اقتراب واشنطن من خطوة تاريخية بتصنيف جماعة الإخوان تنظيمًا إرهابيًا، تتصاعد داخل السودان أصوات سياسية وإعلامية تطالب بحظر الحركة الإسلامية وتجفيف منابعها، معتبرة أن بقاءها في المشهد هو أحد أسرار إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات الحل.

 المسألة لم تعد خلافًا أيديولوجيًا، بل صراعًا على مستقبل الدولة نفسها، هل ينجح السودان في فك الارتباط مع إرث الإسلام السياسي العنيف، أم يبقى رهينة شبكات تنظيمية عابرة للحدود اعتادت العمل في الظل، وتغذية الصراعات من الخلف.

واشنطن تغيّر قواعد اللعبة

التصريحات الأخيرة الصادرة عن مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية والعربية، لم تمرّ مرور الكرام في الخرطوم، فالرجل تحدّث بوضوح عن اقتراب إدارة دونالد ترامب من اتخاذ قرار بشأن تصنيف جماعة الإخوان تنظيمًا إرهابيًا، في إطار أمر تنفيذي كلّف وزارتي الخارجية والخزانة، إلى جانب جهات حكومية أخرى، بدراسة الملف واتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة.

هذه ليست المرة الأولى التي يلوّح فيها ترامب بهذا الاتجاه، لكنه – وفق مراقبين – الأكثر جدية هذه المرة، ففي نوفمبر الماضي، وقّع أمرًا تنفيذيًا يلزم إدارته بتحديد وضع فروع الجماعة في عدد من الدول، في خطوة اعتبرها كثيرون تمهيدًا لتصنيف واسع النطاق. 

وإذا ما تم القرار، فلن يقتصر أثره على الولايات المتحدة، بل سيمتد إلى شبكات التمويل والتحرك الإقليمي، وهو ما يفسّر حالة القلق داخل دوائر الإسلاميين في أكثر من عاصمة.

الحركة الإسلامية في قفص الاتهام


في السودان، لم تنتظر القوى السياسية طويلاً لترجمة هذا المناخ الدولي إلى مطالب داخلية، خالد عمر يوسف، نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني وأحد قيادات تحالف “صمود”، ذهب أبعد من مجرد الترحيب بالخطوة الأميركية، واعتبر أن الحركة الإسلامية السودانية هي رأس الحربة لتنظيم الإخوان في المنطقة.

ويستند يوسف في حديثه لـ"العرب مباشر"، إلى تاريخ طويل من حكم الإسلاميين للسودان امتد ثلاثين عامًا، تحوّل خلالها البلد – بحسب وصفه – إلى ملاذ لجماعات متطرفة، ومنصة عبور لعمليات إرهابية إقليمية ودولية. 

ويذكّر بقضايا ظلت عالقة في الذاكرة الدولية، مثل محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، تفجيرات سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998، وتفجير المدمرة الأميركية “كول” في عدن عام 2000.

كما يشير إلى العقوبات الأميركية التي فُرضت عام 2023 على عبد الباسط حمزة، أحد أبرز الواجهات الاقتصادية للحركة الإسلامية، بتهمة تمويل أنشطة إرهابية، معتبرًا أن هذه ليست إلا عيّنة من شبكة مالية أوسع ما تزال تعمل في الظل.

الحرب.. والفاعل الخفي

اللافت، أن الاتهامات لا تتوقف عند الماضي، بل تمتد مباشرة إلى الحرب الحالية، فخصوم الحركة الإسلامية يتهمونها بلعب دور محوري في إشعال الصراع بين الجيش والدعم السريع، ثم العمل على إطالة أمده عبر تغذية الاستقطاب، وعرقلة أي مساعٍ للتهدئة.

بحسب هذا الطرح، فإن الإسلاميين ينظرون إلى الحرب بوصفها فرصة للعودة عبر الفوضى، لا كارثة وطنية يجب إيقافها، لذلك – يقول منتقدوهم – لم يكن غريبًا أن تتعثر مبادرات السلام، وأن تصطدم مساعي الرباعية الدولية وغيرها بحائط صلب من التعطيل غير المعلن.

النتيجة على الأرض كارثية، أكبر أزمة إنسانية في العالم، ملايين النازحين، مدن مدمرة، واقتصاد منهار. وفي نظر كثيرين، لا يمكن فصل هذا المشهد عن شبكات تنظيمية ترى في الدولة مجرد غنيمة، لا كيانًا يجب إنقاذه.

شهادة من الداخل.. تاريخ العنف المنسي

من جانبه، يقول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي السوداني، كمبال عبدالواحد، يعتبر أن تصنيف الإخوان كتنظيم إرهابي قرار سياسي تأخر كثيرًا، لأن تجربة الجماعة في السودان – برأيه – كانت قائمة على العنف منذ السبعينيات، لا على العمل السلمي كما يروَّج.

وأضاف عبد الواحد لـ"العرب مباشر"، شهدنا سنوات ما بعد انقلاب 1989، حين سيطرت الحركة الإسلامية على مفاصل الدولة، وفرضت تشريعاتها بالقوة، وأدارت أجهزة الأمن بعقلية تنظيمية مغلقة، مضيفًا، وكذلك تأسيس ما عُرف بـ المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي في التسعينيات، الذي جمع شخصيات جهادية أُدرجت لاحقًا على قوائم الإرهاب الدولية، في مؤشر واضح على طبيعة التحالفات التي نسجها النظام آنذاك.

من وجهة نظره، فإن التوجه الأميركي الحالي ليس منفصلًا عن هذا الإرث، بل هو محاولة متأخرة لتصحيح خطأ قديم، غضّ الطرف عن نظام استخدم الدين غطاءً للعنف العابر للحدود.

الشارع يترقب

في الشارع السوداني، يسود ترقب حذر، كثيرون يرون في الخطوة الأميركية المحتملة فرصة تاريخية لفك الارتباط مع ماضٍ ثقيل، فيما يخشى آخرون من أن تتحول إلى مجرد ورقة ضغط في لعبة دولية أكبر.

 

لكن الثابت وفقًا لمراقبين، أن المزاج العام تغيّر، لم تعد الحركة الإسلامية محصنة بخطاب الدين، ولا بمنطق البديل الجاهز. 

 

الحرب كشفت كل الأوراق، وعرّت كل الشعارات، والآن، يقف السودان عند مفترق طرق، إما دولة جديدة تُبنى على أنقاض التنظيمات، أو إعادة تدوير للكارثة بأسماء مختلفة.