هل يستعد لسباق 2028.. من هو ستيف بانون مهندس صعود ترامب؟

هل يستعد لسباق 2028.. من هو ستيف بانون مهندس صعود ترامب؟

هل يستعد لسباق 2028.. من هو ستيف بانون مهندس صعود ترامب؟
ستيف بانون

ليس ستيف بانون سياسيًا تقليديًا، ولا مفكرًا منعزلًا في برج عاجي، ولا حتى مجرد "مستشار سابق" في سيرة رئيس سابق. 
بانون حالة كاملة من التمرد المنظم، عقل يعمل كغرفة عمليات دائمة، يرى السياسة حرب سرديات لا صراع برامج. من قاع الطبقة العاملة الكاثوليكية إلى بلاط ترامب، ومن استوديوهات هوليوود إلى دهاليز "ماغا"، شق طريقه كمن لا يبحث عن السلطة بقدر ما يسعى لإعادة تعريفها، واليوم، وهو يلمّح – لا يعلن – نيته الترشح لرئاسة أمريكا في 2028، يعود السؤال القديم الجديد، هل بانون مجرد مهندس خلف الستار.. أم لاعب يريد النزول إلى الملعب بنفسه؟

من الهامش إلى ماكينة الصعود


ولد ستيف بانون عام 1953 في نورفولك بفيرجينيا، في بيت كاثوليكي من الطبقة العاملة، لا يحمل امتيازات النخبة ولا ترف العلاقات. 
هذا الأصل لم يكن تفصيلة عابرة في سيرته، بل مفتاحًا لفهم كل ما سيأتي لاحقًا. بانون تشكّل في بيئة ترى الدولة بعين الشك، والنخبة بعين الريبة، والعمل الشاق بوصفه فضيلة أخلاقية لا خيارًا اقتصاديًا.

خدم سبع سنوات في البحرية الأمريكية، تنقّل بين المدمرة "بول فوستر" والبنتاجون، واكتسب هناك عقلية الانضباط والتراتبية، ثم انتقل إلى جامعة جورجتاون فهارفارد، جامعًا بين الأمن القومي وإدارة الأعمال. 
هذا المزج بين العسكري والمالي سيصنع لاحقًا طريقته الخاصة في السياسة: عقلية حرب تُدار بأدوات السوق.

بعد الجيش، دخل وول ستريت من بوابة جولدمان ساكس، ثم أسس "بانون وشركاه"، متجر استثمار متخصص في الإعلام.

لم يكن رجل أرقام فقط، بل قارئًا مبكرًا لقوة الصورة والسرد، صفقة "كاسل روك" وحصته في "ساينفيلد" لم تمنحه المال فحسب، بل فتحت له باب هوليوود. هناك، تعلّم كيف تُصنع الأسطورة، وكيف يُبنى البطل، وكيف يُختزل الشر في وجه واحد، وهذه ليست تفاصيل فنية، بل ذخيرة سياسية لاحقة.

صناعة السردية البديلة


في التسعينيات وبداية الألفية، تحوّل بانون إلى منتج ومخرج أفلام، بعضها وثائقيات سياسية واضحة الانحياز، فيلمه عن رونالد ريغان لم يكن مجرد تحية لرئيس سابق، بل إعلان انتماء فكري لتيار يرى أمريكا إمبراطورية أخلاقية مهددة من الداخل.

تعارفه مع أندرو بريتبارت كان لحظة مفصلية، بريتبارت، الأب الروحي لإعلام اليمين الشعبوي، رأى في بانون ما يشبه "ليني ريفنستال" النازية لكن في نسخة محافظة أمريكية، رجل يفهم الصورة كسلاح.

هنا بدأ مشروع بناء خطاب مضاد للنخبة الليبرالية، إعلاميًا وثقافيًا قبل أن يكون سياسيًا، بانون لم يكتفِ بالخطاب، بل دخل عالم الشركات الرقمية، من IGE إلى "أفينيتي ميديا"، وشارك في تأسيس "معهد مساءلة الحكومة"، وساهم في نشر "Clinton Cash"، واضعًا نفسه في قلب ماكينة فضح الخصوم. 

كان يتحرك على ثلاثة خطوط متوازية: الإعلام، المال، والأيديولوجيا. قليلون جمعوا هذه الثلاثية بهذه الكثافة.

ومع صعود حركة "حزب الشاي"، ثم موجة الغضب الشعبي بعد أزمة 2008، وجد بانون التربة الخصبة. هنا لم يعد مجرد منتج أو مستثمر، بل مهندس وعي، رجل يقرأ الغضب، ويعيد صياغته في قالب سياسي قابل للتعبئة.

ترامب.. وبانون في الظل، ثم في المواجهة


حين التقى دونالد ترامب، لم يكن بانون يبحث عن مرشح، بل عن منصة. رئاسة الحملة في 2016 ثم دخول البيت الأبيض كمستشار استراتيجي وضعته في قلب السلطة. هو من رسّخ شعار "أمريكا أولًا" ليس كشعار انتخابي بل كعقيدة سياسية، انعزالية خارجية، شعبوية اقتصادية، عداء صريح للنخب، ومواجهة مفتوحة مع الإعلام وBig Tech.

وصفه الأمريكيون بـ"الأب الروحي" لترامب ليس مبالغة. بانون هو من أعاد صياغة ترامب كرمز للتمرّد، لا مجرد ملياردير غاضب.

 لكنه أيضًا لم يكن رجل الدولة، بل رجل المعركة. دخوله مجلس الأمن القومي ثم إخراجه السريع كشف حدود تحمّل المؤسسة له. النظام يستطيع استخدامه… لكنه لا يحتمله طويلًا.

بعد الإقالة، لم يختفِ، بالعكس، صار أكثر راديكالية، أكثر تحررًا من القيود. دعم اليمين الشعبوي في أوروبا، هاجم "الدولة العميقة"، ودخل في صدام مباشر مع الكونغرس انتهى بسجنه أربعة أشهر بتهمة ازدرائه. خرج في 2024 أكثر اقتناعًا بدوره كـ"محرض أيديولوجي".

واليوم، مع الحديث عن 2028، لا يبدو بانون مهتمًا بالكرسي بقدر اهتمامه بإجبار الحزب الجمهوري على الركوع لأجندته، خبراء يرون حملته – إن تمت – أداة ضغط. 

هو نفسه يدرك أن ترامب قد لا يكون في المشهد، وأن الفراغ الأيديولوجي أخطر من الفراغ الانتخابي. يريد أن يحمل الراية إن غاب حاملها. 

ستيف بانون ليس ظاهرة عابرة، بل عرضًا عميقًا لمرض أوسع في السياسة الأمريكية: غضب بلا ثقة، شعبوية بلا تسويات، وسياسة تُدار بمنطق الحرب الثقافية. قد لا يصل إلى البيت الأبيض أبدًا، لكن أثره سيظل في كل خطاب غاضب، وكل مرشح يزايد، وكل شعار يختزل أمريكا في "نحن" ضد "هم".