خرج من الظل ليقود أكثر خرائط سوريا تعقيدًا.. من هو مظلوم عبدي؟
خرج من الظل ليقود أكثر خرائط سوريا تعقيدًا.. من هو مظلوم عبدي؟
في شمال سوري اعتاد أن يكون هامشًا في خرائط الدول، صعد اسم مظلوم عبدي من بين الركام، لا بوصفه قائدًا عسكريًا فحسب، بل باعتباره عقلًا يدير واحدة من أعقد التجارب السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط.
بين دعمٍ أمريكيٍّ مباشر، وعداءٍ تركيٍّ معلن، وتحولاتٍ جذرية في دمشق بعد سقوط نظام الأسد، وجد عبدي نفسه أمام امتحان تاريخي: كيف ينتقل من قائد حرب إلى مهندس تسوية، رحلته ليست سيرة رجل واحد، بل مرآة لتاريخ الأكراد السوريين في نصف قرن من التهميش والصراع، ومحاولة شاقة لانتزاع مكان في دولة تتشكل من جديد.
من القرية إلى التنظيم
ولد فرهاد عبدي شاهين، الذي سيُعرف لاحقا باسم مظلوم عبدي، عام 1967 تقريبًا في قرية الغسانية قرب عين العرب كوباني، نشأ في بيئة كردية فقيرة على هامش الدولة المركزية، حيث كان الانتماء القومي عبئًا أكثر منه هوية معترفًا بها.
في جامعة حلب، اختار دراسة الهندسة المدنية، مسارًا يبدو بعيدًا عن السياسة، لكنه لم يصمد طويلًا أمام أسئلة الهوية والعدالة التي كانت تختمر في جيله.
في مطلع التسعينيات، التحق بحزب العمال الكردستاني، في ذروة نشاطه داخل سوريا. كان قريبًا من عبد الله أوجلان خلال إقامة الأخير في دمشق، وتعرض للاعتقال عدة مرات من قبل أجهزة الأمن السورية. تلك التجربة صاغت وعيه المبكر: الدولة ليست دائمًا حامية، وقد تكون خصمًا وجوديًا.
بعد الإفراج عنه، بدأ مرحلة المنفى المتنقل بين أوروبا وجبال قنديل، مستخدمًا أسماء حركية متعددة. هناك، في بيئة التنظيمات الصلبة، تعلّم الانضباط، وإدارة المجموعات، وبناء الشبكات.
لم يكن مجرد مقاتل، بل كادرًا يتقن العمل التنظيمي طويل النفس. ومع عودته إلى المنطقة عام 2003، كان قد تخلّى عن فكرة “الانتماء المحلي الضيق”، لصالح رؤية عابرة للحدود، ترى في القضية الكردية مشروعًا إقليميًا.
لكن الثورة السورية عام 2011 قلبت المعادلة. عاد عبدي إلى بلاده لا بوصفه عضوًا في تنظيم خارجي، بل باعتباره جزءًا من فراغ سياسي وعسكري واسع، في تلك اللحظة، بدأت ملامح تحوله من كادر حزبي إلى قائد محلي تتشكل.
من الحرب إلى الشراكة الدولية.. ولادة القائد الإقليمي
مع تأسيس وحدات حماية الشعب، ثم قوات سوريا الديمقراطية لاحقًا، أصبح مظلوم عبدي في قلب مشروع عسكري غير مسبوق في سوريا. الحرب ضد تنظيم داعش لم تكن مجرد مواجهة أمنية، بل كانت بوابة عبدي إلى المسرح الدولي، من كوباني إلى الرقة ثم الباغوز، قاد معارك مفصلية غيّرت خريطة النفوذ في الشمال الشرقي.
في هذه المرحلة، برزت إحدى أهم سماته، البراغماتية الباردة، لم يكن عبدي خطيبًا ثوريًا ولا زعيمًا شعبويًا، بل قائدًا يعرف متى يفاوض ومتى يقاتل، قبِل بالشراكة مع الولايات المتحد@ة دون أن يتحول إلى تابع، وحافظ على خطاب محلي يركز على حماية المكونات لا على الأجندة القومية الصرفة.
واشنطن وجدته شريكًا مثاليًا منضبط، غير أيديولوجي في الخطاب العلني، وقادر على إدارة أرض معقدة إثنيًا، أما أنقرة، فرأت فيه امتدادًا مباشرًا لحزب العمال الكردستاني، ووضعت اسمه في صدارة قوائم المطلوبين، حتى بلغ الأمر محاولة اغتياله بطائرة مسيّرة عام 2023.
بين هذين القطبين، صاغ عبدي موقعه كقائد بين نارين، لم يقطع صلاته بالبيئة الكردية الإقليمية، لكنه سعى إلى تقديم نفسه كفاعل سوري لا انفصالي. كانت هذه الازدواجية مصدر قوته وضعفه في آن واحد: تمنحه المرونة، لكنها تبقيه هدفًا دائمًا.
ما بعد الأسد.. بين الدولة الجديدة وسؤال المستقبل
سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024 فتح فصلًا جديدًا في مسيرة مظلوم عبدي، للمرة الأولى، لم يعد الشمال الشرقي كيانًا معلقًا بين الحرب والفراغ، بل طرفًا في معادلة دولة تُعاد صياغتها، دخل عبدي مفاوضات مباشرة مع الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، واضعًا على الطاولة مطلبًا مركزيًا: دولة مدنية لامركزية تضمن حقوق المكونات دون تفكيك البلاد.
التحول هنا لم يكن تكتيكيًا فقط، بل وجوديًا، فالرجل الذي بنى نفوذه خارج الدولة، بات مطالبًا بإعادة تعريف دوره داخلها، اتفاقات الاندماج العسكري والإداري لقوات قسد في مؤسسات الدولة السورية تعني نهاية مرحلة الكيان المستقل، وبداية اختبار أصعب، هل يمكن لقائد حرب أن يتحول إلى شريك في بناء الدولة؟
خطابه في هذه المرحلة اتسم بالتهدئة والواقعية، أكد مرارًا أن الأكراد لا يسعون للانفصال، بل لعدالة دستورية، لكنه في العمق يعرف أن المستقبل لا يُكتب بالتصريحات وحدها، بل بقدرة مشروعه على البقاء داخل منظومة وطنية أوسع، دون أن يذوب أو يُقصى.

العرب مباشر
الكلمات