خلف باب مغلق في لندن.. شقة صامتة تكشف خريطة الشبكات المرتبطة بالإخوان في أوروبا

خلف باب مغلق في لندن.. شقة صامتة تكشف خريطة الشبكات المرتبطة بالإخوان في أوروبا

خلف باب مغلق في لندن.. شقة صامتة تكشف خريطة الشبكات المرتبطة بالإخوان في أوروبا
جماعة الإخوان

في المدن الكبرى، لا تحمل أخطر العناوين دائمًا لافتات واضحة، بل تختبئ أحيانًا خلف أبواب عادية داخل مبانٍ لا تلفت الانتباه، هكذا يبدو أحد المكاتب في شمال لندن، حيث لا يشير الممر المعتم ولا اللوحة النحاسية الصغيرة إلى طبيعة الأنشطة المرتبطة به، غير أن تحقيقات وتقارير دولية حديثة أعادت تسليط الضوء على موقع تحوّل، وفق اتهامات رسمية وخبراء، إلى عقدة تنظيمية ضمن شبكة أوسع من الكيانات والشركات والأفراد المرتبطين بجماعة الإخوان في أوروبا.

القضية لا تتعلق بمكتب واحد بقدر ما تكشف نموذجًا تشغيليًا معقدًا يعتمد على تشابك المؤسسات القانونية والأنشطة المدنية والإعلامية لتشكيل بنية يصعب تتبعها ماليًا وتنظيميًا، وبين عقوبات أمريكية ومخاوف أمنية أوروبية، يبرز السؤال، كيف تعمل هذه الشبكات داخل منظومات قانونية مفتوحة دون أن تظهر ملامحها الحقيقية إلا بعد سنوات؟

مكتب غامض


على الطريق الدائري الشمالي المحيط بلندن يقف مبنى مكاتب عادي يُعرف باسم «كراون هاوس»، قرب قوس ملعب ويمبلي الشهير، في الطابق السابع تحديدًا، يقود ممر خافت الإضاءة إلى الجناح رقم 702، حيث لا توجد شعارات شركات ولا حركة موظفين لافتة، الهدوء الظاهري دفع حتى العاملين في المكاتب المجاورة إلى القول إنهم بالكاد شاهدوا أحدًا يدخل أو يغادر المكان.

لكن هذا الفراغ الظاهري، بحسب تقارير صحفية وتحليلات أمنية، يخفي شبكة علاقات مؤسسية، فقد أُدرج مؤخرًا اسم زاهر برعاوي ضمن قوائم العقوبات الأمريكية بوصفه شخصية قيادية وعضوًا مؤسسًا في «المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج»، وهي جهة تعتبرها واشنطن واجهة تعمل لصالح حركة حماس المصنفة إرهابية في بريطانيا.

العنوان نفسه يستضيف شركة إعلام وعلاقات عامة يديرها برعاوي، إضافة إلى مؤسسة تعليمية مرتبطة بالقضية الفلسطينية، ما يعكس نمط الجمع بين العمل المدني والإعلامي داخل عنوان واحد.

شبكة شركات

لا يقف الأمر عند فرد أو مؤسسة إذ يرتبط العنوان كذلك بأسماء أخرى أبرزها ماجد الزير، الذي تولى رئاسة «المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج» ويعد شخصية قيادية في نشاط الحركة بأوروبا وفق التصنيفات الأمريكية.

الزير، الذي استقر في بريطانيا منذ التسعينيات، أسس «مركز العودة الفلسطيني» في المبنى ذاته بطابق مختلف، ما يشير إلى تركز كيانات متعددة في موقع واحد.

ويرى باحثون متخصصون في حركات الإسلام السياسي، أن هذا التمركز ليس مصادفة، بل نموذج تنظيمي متكرر، فالجماعة تعتمد ـ وفق خبراء ـ على شبكة شركات تتأسس وتُحل باستمرار، مع تبادل المديرين مواقعهم بينها. هذه الآلية تخلق طبقات قانونية متعددة تفصل النشاط المالي عن النشاط التنظيمي، وتجعل تتبع الأموال عملية معقدة.

الهدف من هذه البنية، بحسب التحليلات، ليس فقط إدارة نشاط اجتماعي أو إعلامي، بل أيضًا الحفاظ على مسافة قانونية بين الأفراد والأنشطة الحساسة، عبر ما يشبه «عازلًا مؤسسيًا» متعدد المستويات يسمح بفتح حسابات مصرفية وتشغيل مشاريع دون ربط مباشر بالهيكل التنظيمي الأوسع.

تمويل معقد


خبراء ودبلوماسيون سابقون يشيرون إلى أن التحدي الأكبر أمام السلطات الأوروبية يتمثل في التمويل، لا النشاط العلني فالمؤسسات تبدو قانونية في ظاهرها، بينما تكمن الإشكالية في الروابط غير المباشرة بينها.

النائب البريطاني السابق خالد محمود اعتبر أن تعقب مصادر التمويل كان بطيئًا دائمًا، خاصة مع تدفقات مالية عابرة للحدود يصعب ضبطها قانونيًا.

وتزداد الحساسية عندما يرتبط النشاط بقضايا سياسية وإنسانية مثل غزة، حيث يمكن استغلال التعاطف الشعبي للتجنيد أو جمع الأموال، ما يخلق منطقة رمادية بين العمل الخيري والنشاط السياسي.

وتحذر التقديرات الأمنية من أن هذه البيئة قد تؤدي إلى توسع دوائر التأثير داخل بعض المجتمعات المهاجرة، خصوصًا بين الشباب، وهو ما يجعل الملف أقرب إلى قضية اندماج اجتماعي وأمن داخلي في آن واحد.

في النهاية، يكشف الجناح 702 عن صورة أوسع بنية تنظيمية لا تعتمد على مقر مركزي واضح، بل على شبكة عناوين قانونية مترابطة، تجعل التنظيم حاضرًا إداريًا وإن بدا غائبًا ميدانيًا، وبينما تستمر التحقيقات والعقوبات، يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومات هو التفريق بين النشاط المدنى المشروع والبنية التنظيمية الخفية.