وعود واشنطن التي لم تكتمل تشعل الغضب وتترك المحتجين الإيرانيين في مواجهة الرصاص
وعود واشنطن التي لم تكتمل تشعل الغضب وتترك المحتجين الإيرانيين في مواجهة الرصاص
عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب استعداده للتدخل وإنقاذ المتظاهرين في حال لجأت السلطات الإيرانية إلى إطلاق النار، تلقى كثير من الإيرانيين تلك الرسائل باعتبارها التزامًا سياسيًا غير مسبوق من واشنطن.
بالنسبة لسياوش شيرزاد، الأب البالغ من العمر 38 عامًا، لم تكن تلك التصريحات مجرد خطاب سياسي، بل وعدًا مباشرًا بالحماية والدعم، وفقًا لما كشفته صحيفة "الجارديان" البريطانية.
شيرزاد، الذي سبق له أن شهد احتجاجات قُمعت بعنف شديد في إيران، رأى في تصريحات ترامب تحولًا استثنائيًا، إذ لم يسبق لرئيس أميركي أن تعهد علنًا بمساندة المحتجين الإيرانيين.
هذا الإحساس بالاطمئنان دفعه إلى تجاهل تحذيرات أسرته والنزول إلى شوارع طهران للانضمام إلى المظاهرات المتصاعدة.
الرصاص بدل الدعم… ونهاية مأساوية
لم يطل الوقت قبل أن تتحول الوعود إلى خيبة أمل قاسية. مع تصاعد الاحتجاجات، بدأت قوات الأمن بإطلاق النار، دون أن يظهر أي تدخل خارجي.
وفي الثامن من يناير، أقدمت السلطات على قطع الإنترنت بشكل كامل، لتدخل إيران في عزلة تامة عن العالم.
خلال إحدى التظاهرات في طهران، أُصيب سياوش شيرزاد بطلق ناري، وتوفي بعد ساعات متأثرًا بجراحه، تاركًا خلفه طفلًا يبلغ من العمر 12 عامًا. وأكد أحد أقاربه أن شيرزاد ظل متمسكًا بالأمل حتى اللحظات الأخيرة، معتقدًا أن الدعم الأميركي سيصل في الوقت المناسب، رغم تحذيرات عائلته المتكررة من خطورة الوضع.
تراجع مفاجئ في واشنطن وإحباط داخل إيران
بعد أيام من الحادثة، عاد ترامب ليحث الإيرانيين على مواصلة الاحتجاج والسيطرة على مؤسساتهم، مؤكدًا أن المساعدة قادمة، في ظل تقارير تحدثت عن اقتراب ضربة عسكرية أميركية ضد إيران.
غير أن هذا التصعيد لم يدم طويلًا، إذ تراجع الرئيس الأميركي بشكل مفاجئ، معلنًا تلقيه تطمينات بعدم تنفيذ إعدامات بحق المحتجين، ومتراجعًا مؤقتًا عن خيار التدخل العسكري.
داخل إيران، قوبل هذا التراجع بمشاعر إحباط واسعة. فعلى الرغم من التصريحات الأميركية، استمرت عمليات قتل المتظاهرين، بينما بدت شوارع طهران خالية إلا من الدوريات الأمنية المسلحة، في مشهد يعكس حجم القبضة الأمنية المفروضة.
اعتقالات واسعة ومحاكمات تثير المخاوف
في ظل انقطاع الاتصالات، بات من الصعب تقييم حجم الاحتجاجات خارج العاصمة، إلا أن تقارير محلية تحدثت عن موجات اعتقال جماعية.
ونقلت مصادر من داخل طهران تحذيرات من أن الإعدامات قد تبدأ فور تراجع الاهتمام الدولي بالملف الإيراني.
عززت السلطات من ملاحقتها القضائية للمتظاهرين، حيث بث التلفزيون الرسمي اعترافات قسرية، وظهر رئيس السلطة القضائية وهو يستجوب معتقلين. منظمات حقوقية حذرت من غياب معايير المحاكمة العادلة، وأعربت عن قلق بالغ إزاء أوضاع المحتجزين.
وأشارت رسالة مشتركة وقعتها أكثر من ثلاثين منظمة حقوقية إلى أن فترات الاضطرابات في إيران غالبًا ما تترافق مع تصاعد الانتهاكات داخل السجون، بما يشمل التعذيب والاختفاء القسري وحتى القتل خارج إطار القانون.
تعليق الإعدامات.. خطوة محدودة لا تبدد القلق
رغم التصعيد، امتنعت السلطات الإيرانية عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق عدد من المتظاهرين، وألغت حكم الإعدام الصادر بحق الشاب عرفان سلطاني، معلنة عدم تنفيذ أي عمليات شنق في تلك المرحلة. هذا القرار قوبل بترحيب حذر، في وقت أبدى فيه ترامب ارتياحه لتراجع السلطات عن تنفيذ الحكم.
إلا أن هذه الخطوة لم تكن كافية لتهدئة المخاوف، سواء داخل إيران أو بين الإيرانيين في الخارج، الذين شعر كثير منهم بأن التراجع الأميركي شكل ضربة قاسية لآمالهم.
غضب في المهجر وشعور بالخيانة
الإيرانيون في دول المهجر تابعوا مشاهد القمع بقلق بالغ، في ظل انقطاع أخبار عائلاتهم داخل البلاد. بالنسبة لهم، بدت تصريحات ترامب حول قرب المساعدة بمثابة طوق النجاة الوحيد، قبل أن يتحول إلى مصدر خيبة أمل.
ورأى كثيرون أن تراجع واشنطن منح النظام الإيراني مكسبًا سياسيًا، خاصة مع انتقال الخطاب الأميركي من دعم الاحتجاجات إلى التلويح بالمسار الدبلوماسي. واعتبر ناشطون أن أي منح للنظام فرصة جديدة سيقضي على ما تبقى من ثقة لدى الشارع الإيراني.
خيارات غامضة ومشهد مفتوح على الاحتمالات
ورغم سحب بعض القوات الأميركية من قواعد في الشرق الأوسط، بقي الغموض يلف نوايا واشنطن تجاه إيران.
فبينما لم تشكل الاحتجاجات تهديدًا فوريًا لاستقرار النظام، حذر محللون من أن أي تدخل عسكري قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي واسع، دون توفير حماية حقيقية للمتظاهرين.
في المقابل، أكد مسؤولون أميركيون، أن جميع الخيارات ما تزال مطروحة، مع تحركات عسكرية شملت إرسال حاملة طائرات إلى المنطقة وتعزيز الدفاعات الجوية الإسرائيلية، ما أبقى احتمال المواجهة قائمًا.
في الداخل، يعيش المحتجون حالة من الانتظار والقلق. فمع استمرار القمع وانقطاع التواصل مع العالم، بات قرار العودة إلى الشارع محفوفًا بالمخاطر.
ويؤكد سكان من طهران أن الاحتجاجات دخلت مرحلة توقف مؤقت، بانتظار ما ستؤول إليه المواقف الأميركية، في مشهد يعكس حالة عدم اليقين التي تخيم على مستقبل الحراك الشعبي في إيران.

العرب مباشر
الكلمات