واشنطن تغيّر قواعد اللعبة.. حصار بحري واقتصادي على إيران بدل القصف
واشنطن تغيّر قواعد اللعبة.. حصار بحري واقتصادي على إيران بدل القصف
اتجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تغيير نهجه في التعامل مع إيران، من المواجهة العسكرية المباشرة إلى الحرب الاقتصادية، عبر فرض حصار على السفن والموانئ الإيرانية، في محاولة لإنهاء الصراع دون اللجوء إلى هجوم عسكري جديد مشترك مع إسرائيل، بحسب ما نشرته شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
ويقوم هذا التوجه على فرضية أن حرمان إيران من تصدير نفطها واستيراد السلع الأساسية سيؤدي إلى تداعيات مالية وإنسانية قاسية، تدفعها في النهاية إلى القبول بالشروط الأمريكية لإنهاء الحرب.
رهان على انهيار اقتصادي سريع
تشير التقديرات إلى أن الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني بالفعل من آثار العقوبات، قد يواجه نقصًا حادًا في الغذاء، وارتفاعًا مفرطًا في معدلات التضخم، وأزمة مصرفية خانقة خلال فترة قصيرة.
ويرى مؤيدو هذه الاستراتيجية، أن الحصار البحري قد يشكل ردًا مباشرًا على خطوة إيران بإغلاق مضيق هرمز، ما يمنح واشنطن أداة ضغط حاسمة دون الحاجة إلى تصعيد عسكري إضافي.
افتراضات قد تقود إلى أخطاء استراتيجية
غير أن هذا الرهان يستند إلى فرضية أن إيران ستستجيب للضغوط بطريقة تتوافق مع الحسابات الأمريكية، وهي فرضية أثبتت تجارب سابقة في الشرق الأوسط محدوديتها
فقد أظهرت تجارب مع دول مثل: العراق وأفغانستان وروسيا وليبيا، أن خصوم الولايات المتحدة لا يتصرفون دائمًا وفق التصورات الغربية لمصالحهم الوطنية، ما يثير تساؤلات حول مدى دقة هذه الحسابات في الحالة الإيرانية.
آمال بتنازلات وضغوط داخلية
تأمل واشنطن أن تدفع تداعيات الحصار إيران إلى تقديم تنازلات لتخفيف الضغوط، كما تراهن ضمنيًا على أن التدهور الاقتصادي قد يؤدي إلى تصاعد التوترات الداخلية ويختبر قدرة النظام على الاستمرار.
كما تأخذ الاستراتيجية في الحسبان حاجة إيران إلى إعادة بناء اقتصادها بعد الأضرار الكبيرة التي لحقت بها نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية.
نظام قادر على تحمل الضغوط
مع ذلك، تشير معطيات ميدانية إلى أن القيادة الإيرانية قد لا تنظر إلى الأزمة من هذا المنظور، إذ أظهرت خلال السنوات الماضية قدرة على تحمل الضغوط الاقتصادية والاضطرابات الداخلية.
كما أن استمرار النظام رغم خسائر كبيرة في قياداته خلال الحرب يعكس مستوى مرتفعًا من القدرة على الصمود، ما يعزز احتمال أن تكون واشنطن قد قللت مرة أخرى من قدرة طهران على التحمل في ما تعتبره معركة وجودية.
عامل الوقت في حسم المواجهة
قد يتحدد مصير الحصار الأمريكي وفق عامل الزمن، حيث يبرز التساؤل حول ما إذا كانت الضغوط ستنجح في تغيير سلوك إيران قبل أن يؤدي الحصار إلى تفاقم الأضرار الاقتصادية العالمية الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز.
وفي حال فشل هذه الاستراتيجية، قد تتحول إلى عبء سياسي على إدارة ترامب، خاصة في ظل تداعيات الحرب على الداخل الأمريكي واقتراب الانتخابات النصفية.
قدرات عسكرية تدعم الحصار
رغم الانتقادات، يُعد الحصار البحري خيارًا عسكريًا قابلًا للتنفيذ، إذ تمتلك البحرية الأمريكية إمكانات كافية في المنطقة، إلى جانب خبرة طويلة في فرض الحصارات الدولية.
وتشير تحليلات إلى أن الحصار، المدعوم بسفن حربية وطائرات وقوات عسكرية، يمكن أن يحد بشكل كبير من التجارة الإيرانية ويوقف صادرات النفط خلال فترة قصيرة.
تأثيرات محتملة على الاقتصاد الإيراني
وفق تقديرات خبراء، قد يؤدي الحصار إلى تقليص معظم التجارة الإيرانية، وزيادة الضغوط على العملة، وارتفاع معدلات التضخم خلال أيام، خاصة أن أكثر من 90 بالمئة من التجارة الخارجية لإيران تمر عبر مضيق هرمز
كما قد تضطر إيران إلى تقليص إنتاج النفط خلال أسابيع في حال تعذر تصديره، ما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها.
خيارات تصعيد محفوفة بالمخاطر
يضع الحصار إيران أمام خيارات صعبة، حيث قد يؤدي أي تصعيد إلى استئناف القتال وانهيار اتفاق وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومن بين السيناريوهات المحتملة: استئناف الهجمات على حلفاء واشنطن في الخليج، أو استخدام جماعة الحوثي في اليمن لإغلاق طرق بديلة لنقل النفط عبر البحر الأحمر، وهو ما قد يشكل ضربة قوية للاقتصاد العالمي.
مخاطر دبلوماسية على واشنطن
لا يخلو الحصار من مخاطر على الولايات المتحدة، خاصة إذا استهدف سفنًا تابعة لدول مثل الصين أو الهند التي تستورد النفط الإيراني، ما قد يؤدي إلى أزمات دبلوماسية مع هذه الدول.
ويأتي ذلك في وقت حساس، حيث من المقرر أن يلتقي ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي.
تفاؤل أمريكي بإمكانية التوصل لاتفاق
رغم التحديات، يبدي البيت الأبيض تفاؤلًا بإمكانية أن يؤدي الحصار إلى استئناف المفاوضات مع إيران، بعد فشل جولة سابقة في باكستان.
وأكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت، أن فرص التوصل إلى اتفاق ما تزال قائمة، مشيرة إلى أن أي إعلان رسمي سيصدر عن البيت الأبيض، ومع ذلك، ما تزال هناك خلافات جوهرية تعرقل مسار التفاوض.
حيث تظل الخلافات بين الطرفين عميقة، إذ تسعى واشنطن إلى منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتقييد قدراتها الصاروخية ووقف دعمها لحلفائها في المنطقة، بينما تطالب طهران بتعويضات عن الحرب والاحتفاظ بقدراتها الدفاعية وحقها في تخصيب اليورانيوم.
وتشير تسريبات إلى وجود مقترحات وسطية، مثل تعليق تخصيب اليورانيوم لفترات متفاوتة، ما قد يفتح المجال لتسوية محتملة
مستقبل غامض لما بعد الحصار
يبقى السؤال الأهم حول هذه الاستراتيجية ليس فقط ما سيحدث إذا فشلت، بل أيضًا ما سيحدث إذا نجحت، إذ قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاوض تتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة والصبر لمعالجة ملفات معقدة تتعلق بالبرنامج النووي والتوازنات الإقليمية.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن الحصار الأمريكي لإيران يمثل خطوة مفصلية قد تعيد تشكيل مسار الصراع، لكنها في الوقت ذاته تنطوي على مخاطر كبيرة قد تؤدي إلى تصعيد أوسع في المنطقة والعالم

العرب مباشر
الكلمات