الجنرال الذي باغت غينيا بيساو.. هورتا نتا نا مان من الظل إلى واجهة الحكم

الجنرال الذي باغت غينيا بيساو.. هورتا نتا نا مان من الظل إلى واجهة الحكم

الجنرال الذي باغت غينيا بيساو.. هورتا نتا نا مان من الظل إلى واجهة الحكم
هورتا نتا نا مان

لم تكن غينيا بيساو بحاجة إلى شرارة جديدة كي تشتعل توتراتُها السياسية المتراكمة، إلا أن الساعات الأخيرة من شهر نوفمبر 2025 حملت ما يكفي لإعادة رسم المشهد من جذوره، ففي بلد اعتاد الانقلابات بقدر ما اعتاد الأزمات، ظهر اسم الجنرال "هورتا نتا نا مان" كرقم مفاجئ في معادلة مضطربة، ليتحوّل خلال ساعات من قائد عسكري رفيع إلى رئيس انتقالي يعتلي سدة الحكم بقرار من المؤسسة العسكرية.

 وبينما كانت البلاد تترقب إعلان نتائج انتخابات رئاسية متنازع عليها، حسمت البنادق الجدال، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة يزيد غموضها عن وضوحها، في مشهد متسارع، أدى الجنرال اليمين الدستورية في احتفال رسمي داخل مقر الجيش، تحت مظلة «القيادة العسكرية العليا لاستعادة النظام»، ومع أن الرجل ليس غريبًا على دهاليز السلطة العسكرية، إلا أن صعوده المفاجئ يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل البلاد، وحدود النفوذ العسكري، ومصير الانتقال السياسي في واحدة من أكثر دول غرب إفريقيا هشاشة.

صعود سريع… ومسار مليء بالأسرار

لم يكن الانقلاب الأخير في غينيا بيساو حدثًا عابرًا، بل جزءًا من سياق تاريخي طويل جعل من هذا البلد مسرحًا دائمًا لتداخل السلطة بالجيش واشتباك السياسة بالأمن، ما جرى في 26 نوفمبر 2025 لم يكن مجرد إطاحة بالرئيس عمر سيسوكو إمبالو، بل إعادة ترتيب واسعة لموازين القوى داخل الدولة، وفتحًا جديدًا لدورة عدم الاستقرار التي لم تغادر البلاد منذ استقلالها عن البرتغال قبل نصف قرن.

على الرغم من أن اسم الجنرال "هورتا نتا نا مان" لم يكن حاضرًا بقوة في المشهد العام، فإن الرجل كان لاعبًا مهمًا داخل المؤسسة العسكرية. فقد شغل مناصب متقدمة، أبرزها: رئاسة أركان الجيش، وشارك في إدارة الملفات الأمنية الحساسة التي لطالما شكّلت عمق التوتر في البلاد، بما في ذلك مكافحة الجريمة المنظمة وعمليات تهريب المخدرات التي حوّلت غينيا بيساو إلى محطة عبور رئيسية لشبكات التهريب نحو أوروبا.

وبحسب مصادر سياسية محلية، فإن صعود الرجل كان نتيجة توازنات داخل الجيش أكثر من كونه انعكاسًا لطموح شخصي، إذ ارتبط اسمه بالعلاقة الوثيقة التي جمعته بالرئيس المخلوع إمبالو، ولذلك، كان توليه رئاسة المرحلة الانتقالية بمثابة مفارقة سياسية، لكونه يعتلي السلطة على أنقاض حليف سابق.

تبريرات الانقلاب.. وسردية "إنقاذ الدولة"

أثناء حفل التنصيب، لم يتردد الجنرال في بناء شرعية على خطاب الحماية الوطنية، معتبرًا أن تدخل الجيش جاء لمنع ما وصفه بـ "محاولة زعزعة الاستقرار"، من دون تقديم تفاصيل دقيقة حول طبيعة التهديد. وركّز خطابه على قضايا الفساد وتهريب المخدرات، وهي ملفات حساسة استخدمتها الانقلابات السابقة أيضًا كغطاء سياسي لتبرير تدخل الجيش.

وقال الجنرال -في خطابه الرسمي-: إن "الأدلة كانت واضحة، والإجراءات التي اتخذناها جاءت في الوقت الصحيح"، مؤكدًا أن المرحلة المقبلة تتطلب مشاركة المواطنين في “تنظيف الدولة” وإعادة بنائها، غير أن هذا الخطاب، رغم جاذبيته الشعبوية، لا يلغي الشكوك التي تحيط بالدوافع الحقيقية للانقلاب، خاصة في ظل التنافس بين أجنحة داخل الجيش حول النفوذ والموارد.

بلد على خط الزلازل السياسية

تُعد غينيا بيساو واحدة من أكثر الدول الإفريقية هشاشة من الناحية السياسية، فمنذ 1974، تعاقبت الانقلابات العسكرية بوتيرة جعلت تداول السلطة أمرًا متعلقًا برضا الجيوش أكثر من الصناديق الانتخابية.

 وفشلت الحكومات المتعاقبة في بناء مؤسسات مستقرة، أو الحد من الفساد والتهريب، أو كبح تدخل الجنرالات في الحكم.
وتشير تقارير دولية إلى أن ضعف البنى الاقتصادية، وانتشار الجريمة المنظمة، وغياب أجهزة رقابية فاعلة، جعلت الجيش يلعب دورًا يتجاوز وظيفته التقليدية. 

لذلك، فإن وصول هورتا نتا نا مان إلى السلطة الانتقالية يبدو امتدادًا لهذا الإرث أكثر مما هو قطيعة معه.

ضغط خارجي.. وأفق داخلي ضبابي

مع إعلان الانقلاب، توالت المواقف الإقليمية والدولية التي دعت لعودة الحكم المدني، بينما بدأت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) بدراسة عقوبات محتملة، فالمنظمة التي شهدت سلسلة انقلابات في المنطقة خلال السنوات الأخيرة من مالي إلى النيجر وبوركينا فاسو تسعى لمنع تكرار السيناريو القاتم في غينيا بيساو.

لكن على الأرض، تبدو قدرة المجتمع الدولي على التأثير محدودة، فالمؤسسة العسكرية، وعلى رأسها القيادة الحاكمة الجديدة، تملك مفاصل الدولة، وتسيطر على الأمن، وتدير الملفات الأكثر حساسية.

 كما أن وعد إجراء انتخابات خلال عام واحد يظل مرهونًا بالاستقرار الداخلي، وهو أمر يصعب تأكيده في بلد تتغير معادلاته السياسية بين ليلة وضحاها.