حرب إيران تربك حسابات واشنطن.. الهند تعود إلى النفط الروسي رغم الضغوط الأمريكية
حرب إيران تربك حسابات واشنطن.. الهند تعود إلى النفط الروسي رغم الضغوط الأمريكية
أدت الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران إلى تقويض أحد الأهداف الرئيسية للسياسة الأمريكية خلال العام الماضي، والمتمثل في تقليص اعتماد الهند على النفط الروسي.
وأفادت شبكة "سي إن إن" الأمريكية، أنه بعد أشهر من الضغوط الاقتصادية والسياسية التي مارستها واشنطن على نيودلهي للابتعاد عن موسكو، بدأت الهند مجددًا في العودة إلى شراء النفط الروسي نتيجة الاضطرابات الكبيرة في أسواق الطاقة العالمية.
وخلال معظم العام الماضي، سعت الولايات المتحدة إلى تجفيف مصادر تمويل آلة الحرب الروسية، وذلك من خلال تقليص عائدات موسكو النفطية، وكان أحد محاور هذه الاستراتيجية استهداف أحد أهم زبائن النفط الروسي وهو الهند.
وفي إطار حملة الضغط التي قادها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فرضت واشنطن تعريفات جمركية مرتفعة على العديد من الصادرات الهندية، كما فرضت عقوبات على اثنتين من أكبر شركات النفط الروسية المرتبطة بالكرملين.
نجاح أولي للضغوط الأمريكية
وفي البداية، بدت هذه الاستراتيجية وكأنها تحقق نتائج ملموسة. فالهند لم تتوقف بالكامل عن شراء النفط الروسي، لكنها خفضت مشترياتها بشكل كبير واتجهت بدلاً من ذلك إلى زيادة وارداتها من النفط القادم من الشرق الأوسط.
لكن التطورات العسكرية الأخيرة قلبت هذه المعادلة رأسًا على عقب، فقد أدت الهجمات المشتركة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران الأسبوع الماضي إلى تعطيل شبه كامل لحركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو الممر البحري الذي تمر عبره غالبية صادرات النفط من دول الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، هددت إيران باستهداف البنية التحتية للطاقة في دول المنطقة ردًا على الغارات الجوية التي استهدفت مواقع تخزين الطاقة الرئيسية في طهران.
مع تصاعد التوترات، ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد، حيث تجاوز سعر البرميل حاجز 100 دولار يوم الأحد للمرة الأولى منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، مدفوعًا بالمخاوف من تعطل الإنتاج وتقييد الإمدادات العالمية.
الهند تعود إلى النفط الروسي
في ظل هذه الظروف، وجدت الهند نفسها أمام خيارات محدودة، ما دفعها إلى العودة مرة أخرى إلى النفط الروسي لتعويض النقص المحتمل في الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.
يبدو أن الولايات المتحدة أدركت لحجم المأزق الذي تواجهه نيودلهي، منحت الولايات المتحدة الأسبوع الماضي شركات التكرير الهندية إعفاءً لمدة 30 يومًا يسمح لها بشراء النفط الروسي العالق حاليًا في البحر.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت: إن هذه الخطوة تهدف إلى ضمان استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية.
يمثل هذا القرار تحولًا ملحوظًا في الموقف الأمريكي، فبعد أشهر من الضغط المكثف على الهند لوقف شراء النفط الروسي، أصبحت واشنطن الآن تمنحها الضوء الأخضر للقيام بذلك، وهو ما يعني أن عائدات النفط الروسي ستستمر في دعم الخزانة التي حاولت الولايات المتحدة تقليصها طوال العام الماضي.
مضيق هرمز شريان الطاقة للهند
تشير بيانات شركة كبلر المتخصصة في تحليل أسواق الطاقة إلى أن مضيق هرمز يمر عبره يوميًا ما بين 2.5 و2.7 مليون برميل من واردات الهند النفطية، معظمها يأتي من العراق والسعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة.
ومع تعطّل هذا الممر البحري الحيوي فعليًا، أصبح من الطبيعي أن تتجه الهند مرة أخرى إلى النفط الروسي كبديل سريع.
ووفقًا لبيانات الشركة، كان هناك حتى يوم الجمعة نحو 130 مليون برميل من النفط الروسي في عرض البحر، ويمكن إعادة توجيه بعض هذه الشحنات بسرعة إلى الموانئ الهندية.
ويتوقع المحلل في شركة كبلر سوميت ريتوليا أن تعود الهند إلى مستويات ما قبل العقوبات، حيث قد يشكل النفط الروسي ما بين 40 و45 في المئة من وارداتها النفطية.
حل مؤقت وليس دائمًا
ورغم ذلك، يرى الخبراء أن النفط الروسي لا يمكنه بالكامل سد الفجوة الناتجة عن اضطراب الإمدادات القادمة من الخليج، رغم أن موسكو قد تستفيد من هذه الظروف عبر زيادة إنتاجها وبيع النفط بأسعار أعلى.
وأوضحت فروا عامر، مديرة مبادرة جنوب آسيا في معهد آسيا سوسيتي للسياسات، أن الإعفاء الأمريكي لمدة 30 يومًا يمثل إجراء مؤقتًا فقط ويخضع لقيود وشروط ومهلة زمنية محددة.
وأضافت، أن هذا الإعفاء قد يمنح الهند بعض الارتياح المؤقت لكنه لن يكون كافيًا لتلبية احتياجات سوق الطاقة بشكل كامل.
كما أن شحنات النفط القادمة من روسيا تستغرق وقتًا أطول للوصول إلى الموانئ الهندية مقارنة بالشحنات القادمة من الشرق الأوسط.
مخزون نفطي يمنح الهند هامشًا من الوقت أفاد مصدر في وزارة النفط الهندية بأن البلاد تمتلك حاليًا مخزونًا من النفط الخام يكفي لمدة تقارب 25 يومًا، إضافة إلى احتياطيات من البنزين والديزل تكفي لفترة مماثلة، ما يعني أن إجمالي المخزون المتوفر يغطي نحو ثمانية أسابيع من استهلاك النفط والمنتجات البترولية.
وأشار المصدر إلى أن الوضع الحالي للمخزونات يمنح الهند قدرًا من الطمأنينة، مؤكدًا أن الحكومة تعمل على زيادة وارداتها من مناطق أخرى حول العالم لتعويض أي نقص في الإمدادات القادمة عبر مضيق هرمز.
احتمال تخفيف العقوبات على النفط الروسي
وفي تطور لافت، قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت: إن الولايات المتحدة قد تدرس رفع العقوبات عن مزيد من صادرات النفط الروسي.
وأوضح، أن واشنطن سمحت للهند مؤقتًا بقبول النفط الروسي بهدف سد الفجوة المؤقتة في الإمدادات العالمية، مشيرًا إلى احتمال رفع بعض القيود عن صادرات روسية أخرى إذا دعت الحاجة.
ويرى محللون أن هذا التحول في السياسة الأمريكية يعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها أسواق الطاقة العالمية مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط.
وأكدت فروا عامر، أن استمرار الأزمة في المنطقة لفترة أطول سيؤدي إلى زيادة الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، كما سيرفع احتمال حدوث أزمة طاقة في الدول المستوردة للنفط مثل الهند.

العرب مباشر
الكلمات