سقطرى تنتفض.. الجنوب يرفض شطب صوته السياسي

سقطرى تنتفض.. الجنوب يرفض شطب صوته السياسي

سقطرى تنتفض.. الجنوب يرفض شطب صوته السياسي
سقطري

لم تكن سقطرى، الجزيرة الهادئة التي اعتادت البقاء خارج ضجيج الصراع اليمني، على موعد مع تظاهرة عابرة أو حشد موسمي، ما جرى في شوارعها كان أقرب إلى بيان سياسي مكتوب بالأقدام والهتافات، ورسالة جماعية تقول الجنوب لا يسلّم تمثيله بالقرارات البعيدة، آلاف المواطنين خرجوا في مشهد لافت، ليس فقط رفضًا لإعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي، بل دفاعًا عما يرونه "الإطار السياسي الوحيد" الذي يحمل قضيتهم منذ سنوات.


 اللافت، أن التحرك جاء سريعًا، منظمًا، ومشحونًا بدلالات رمزية، تفويض علني لعيدروس الزبيدي، وتأكيد على حق تقرير المصير، واستدعاء مباشر لتاريخ طويل من الإقصاء والتهميش، في لحظة إقليمية مرتبكة، وحرب لم تُحسم، تعود سقطرى لتقول: "إن الجنوب ليس ملفًا إداريًا يُغلق بقرار، بل شارع حيّ لا يعترف إلا بمن يمثله".


سقطرى على خط المواجهة

منذ الساعات الأولى لإعلان حل المجلس الانتقالي، بدا واضحًا أن الشارع الجنوبي لن يمرر الأمر بهدوء، في سقطرى تحديدًا، تحولت الساحات العامة إلى منصات سياسية مفتوحة، أعلام الجنوب ارتفعت، والهتافات ركزت على شرعية المجلس وقيادته، ورفض أي بدائل مفروضة من الخارج.

مصدر محلي في سقطرى، شارك في تنظيم الفعاليات، قال لـ"العرب مباشر": إن ما جرى "لم يكن رد فعل عاطفي، بل موقف محسوب"، موضحًا أن "الناس شعرت بأن هناك محاولة لانتزاع صوتها السياسي، فخرجت لتقول: هذا قرار لا يمثلنا". 

وأضاف المصدر، أن البيان الذي تُلي في التظاهرة، والمتضمن تفويضًا كاملًا لعيدروس الزبيدي، جاء بعد مشاورات بين قيادات محلية وناشطين، "حتى لا يظهر التحرك كفعل فوضوي بل كرسالة سياسية منظمة".

وخلال الفعاليات، جدّد رئيس انتقالي سقطرى سعيد عمر بن قبلان التأكيد على "حق الجنوبيين في تقرير مصيرهم"، معتبرًا أن المرحلة تتطلب "تماسكًا خلف القيادة التي اختارها الشارع". 

كما شدد نائب رئيس الانتقالي في الأرخبيل صالح بن ماجد على أن التظاهرة "ليست ضد أحد، لكنها مع حق لا يقبل المساومة".

اللافت هنا، أن سقطرى، التي لطالما وُصفت بأنها بعيدة عن خطوط التماس، دخلت قلب المشهد السياسي الجنوبي بقوة، وهو ما يقرأه مراقبون باعتباره مؤشرًا على اتساع رقعة الرفض الشعبي لأي مسار يتجاوز المجلس الانتقالي أو يحاول القفز فوقه.

الشارع مقابل القرار


من زاوية التحليل، يرى المحلل السياسي اليمني عمار علي أحمد أن ما يحدث يعكس "صدامًا مباشرًا بين شرعيتين: شرعية النص وشرعية الناس".

ويضيف في حديث لـ"العرب مباشر": "يمكن لأي جهة أن تصدر قرارًا بحل كيان سياسي، لكن السؤال الحقيقي: هل يمتلك هذا القرار قدرة النفاذ إلى الأرض؟ ما نراه في سقطرى وعدن ومدن أخرى يقول لا".

عمار يعتبر أن الأزمة أعمق من مجرد خلاف إداري أو سياسي، بل تمس جوهر القضية الجنوبية. "الجنوب تاريخيًا يعاني من إقصاء مراكزه السياسية. كل مرة يتم فيها ضرب الحامل السياسي، لا تختفي القضية بل تتجذر"، مشيرًا إلى تجربة 1994 حين تم تهميش الحزب الاشتراكي ولم تنتهِ المطالب الجنوبية، بل دخلت طورًا أكثر تعقيدًا.

ويضيف: "الخطير في إعلان حل الانتقالي أنه صدر من خارج السياق الشعبي، وفي لحظة كان الشارع فيها في حالة تعبئة واضحة خلف المجلس. هذه مفارقة سياسية فادحة". 

ويرى، أن تجاهل هذا الواقع قد يدفع إلى "تفكيك التوازن الهش في الجنوب وفتح الباب أمام فوضى تنظيمية وأمنية".

في السياق نفسه، يؤكد المصدر الميداني في سقطرى أن الناس تشعر بأن هناك "محاولة لإعادة إنتاج وصاية سياسية"، وهو ما يرفضه الجيل الجديد في الجنوب، "الرسالة كانت واضحة: لا تمثيل بلا تفويض، ولا قرارات بلا شارع"، يقول المصدر.

تاريخ يعيد نفسه


العودة إلى التاريخ ليست ترفًا هنا، بل ضرورة تفسيرية، تجربة الجنوب بعد حرب 1994 تقدم نموذجًا صارخًا هُزم الطرف السياسي، أُقصيت قياداته، لكن القضية لم تُدفن، بالعكس، خرجت من تحت الركام بأشكال جديدة، حتى وصلت إلى تأسيس المجلس الانتقالي نفسه.

عمار علي أحمد يرى، أن "الرهان على إنهاء القضية الجنوبية عبر إضعاف المجلس أو استهداف قيادته رهان ساذج سياسيًا".

 ويضيف: "حتى لو غاب الزبيدي غدًا – لأي سبب – لن تختفي المطالب. المشكلة ليست في الأشخاص بل في المظلومية التاريخية".

ويحذر المحلل اليمني من أن أي محاولة لمواجهة التحركات الشعبية بالعنف ستكون "خطأ كارثيًا"، لأنها ستنقل الاحتجاج من مربع السلمية إلى مربع المواجهة، وهو ما لا يحتمله الجنوب ولا اليمن ككل في هذه المرحلة.

 "نحن أمام فرصة لمعالجة سياسية من الداخل، لا بقرارات فوقية ولا بإملاءات خارجية"، يقول عمار.

وتابع عمار علي أحمد، بتوصيف شديد الدلالة: "الناس هنا لا تهتف حبًا في المجلس فقط، بل خوفًا من العودة إلى مرحلة التيه السياسي، هم يتمسكون بالانتقالي لأنه، حتى الآن، العنوان الوحيد الواضح لقضيتهم".

في المحصلة، ما جرى في سقطرى ليس حدثًا محليًا، بل حلقة في سلسلة إعادة تشكل المشهد الجنوبي.

 

جزيرة بعيدة جغرافيًا، لكنها في قلب المعركة السياسية، والرسالة الأوضح، يمكن حل الكيانات على الورق لكن لا يمكن حل الشارع.