قرار كويتي.. إدراج مستشفيات على قوائم الإرهاب يفتح ملف التمويل الإنساني لحزب الله

قرار كويتي.. إدراج مستشفيات على قوائم الإرهاب يفتح ملف التمويل الإنساني لحزب الله

قرار كويتي.. إدراج مستشفيات على قوائم الإرهاب يفتح ملف التمويل الإنساني لحزب الله
الكويت

لم تعد العقوبات المرتبطة بالصراعات الإقليمية مقتصرة على المصارف أو شركات الشحن والتحويلات، بل بدأت تمتد إلى قطاع يفترض أنه خارج التجاذبات القطاع الصحي. 

ففي خطوة لافتة تحمل أبعادًا سياسية ومالية حساسة، قررت الكويت إدراج ثمانية مستشفيات لبنانية ضمن قائمتها الوطنية للكيانات المرتبطة بالإرهاب، وهو قرار يتجاوز طبيعته القانونية إلى تأثيرات مباشرة على منظومة الرعاية الطبية وشبكات التمويل الإنساني في لبنان.

 القرار يأتي في لحظة يعيش فيها البلد أزمة اقتصادية وصحية مركبة، ما يضع المستشفيات – باعتبارها الملاذ الأخير للمواطن – في قلب معادلة الأمن والسياسة، وبين اعتبارات مكافحة تمويل الجماعات المسلحة ومتطلبات حماية الخدمات الطبية، تبرز إشكالية جديدة، كيف يمكن الفصل بين المؤسسة الصحية كخدمة عامة، والجهة التي تديرها أو تمولها؟ 

مكافحة الإرهاب

أعلنت لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن في الكويت، وهي الجهة المختصة بتطبيق التدابير المرتبطة بمكافحة الإرهاب ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، إدراج ثمانية مستشفيات لبنانية على القائمة الوطنية للكيانات المصنفة، القرار يلزم المؤسسات المالية والأفراد داخل الكويت باتخاذ إجراءات فورية تشمل تجميد الأموال ومنع أي تعامل مالي أو تقديم خدمات مرتبطة بهذه المؤسسات.

المستشفيات المدرجة تقع بمعظمها في مناطق جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، وهي مناطق تُعد تقليديًا ضمن بيئة نفوذ «حزب الله»، وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن ما لا يقل عن نصف هذه المؤسسات يخضع لإدارة مباشرة أو غير مباشرة من قبل شبكات اجتماعية وصحية مرتبطة بالحزب، الذي يملك منذ سنوات منظومة خدمات تشمل التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية.

القرار لا يعني إغلاق المستشفيات أو منعها من العمل داخل لبنان، لكنه يستهدف قنوات التمويل العابرة للحدود، فوفق المواد التنظيمية التي استندت إليها الكويت، يُطلب من كل شخص أو مؤسسة تجميد أي أموال أو موارد اقتصادية مرتبطة بالجهات المدرجة دون إخطار مسبق، كما يُحظر تقديم خدمات مالية أو تحويلات أو دعم مادي مباشر أو غير مباشر لها.

تكمن حساسية الخطوة في أنها تنتقل بالعقوبات من المجال العسكري والأمني إلى المجال المدني، فالمستشفى ليس مجرد مؤسسة اقتصادية، بل بنية خدماتية يعتمد عليها السكان يوميًا، خصوصاً في بلد يعاني انهيارًا صحيًا واسعًا منذ الأزمة المالية عام 2019، لذلك فإن التأثير الفعلي لن يكون قانونيًا فحسب، بل قد يمتد إلى المرضى أنفسهم إذا تقلصت قدرة المؤسسات على استيراد المعدات أو تسديد التزاماتها الخارجية.

آثار سياسية واقتصادية

اقتصادياً، يمثل القرار حلقة ضمن سياسة أوسع تتبعها دول خليجية لتضييق شبكات التمويل غير الرسمي في المنطقة، فالمستشفيات، إلى جانب الجمعيات الخيرية، تُعتبر من القنوات التي قد تمر عبرها التبرعات والتحويلات النقدية، سواء لأغراض إنسانية أو غيرها. ومن هنا يأتي إدراجها ضمن الإطار الرقابي نفسه المطبق على الشركات المالية.

سياسيًا، يحمل القرار رسالة مزدوجة، فمن جهة يؤكد التزام الكويت بالمعايير الدولية المتعلقة بمكافحة تمويل الإرهاب، ومن جهة أخرى ينسجم مع اتجاه إقليمي لتقييد الأذرع المدنية للجماعات المسلحة وليس فقط بنيتها العسكرية. 

هذا التحول يعكس قناعة متزايدة بأن النفوذ السياسي لتلك الجماعات يستند إلى شبكات الخدمات الاجتماعية بقدر ما يستند إلى قوتها العسكرية.

غير أن هذه المقاربة تطرح إشكالية قانونية وإنسانية معقدة: هل يمكن اعتبار مؤسسة تقدم خدمات طبية كيانًا خاضعًا للعقوبات دون التأثير على المدنيين؟ في القانون الدولي الإنساني تحظى المنشآت الطبية بحماية خاصة، لكن تلك الحماية تتعلق بالاستهداف العسكري المباشر، لا بالقيود المالية، وهنا تقع المنطقة الرمادية التي يتحرك فيها القرار.

آثار العزل


من الناحية العملية، سيؤدي الإدراج إلى عزل هذه المؤسسات عن النظام المصرفي الكويتي وربما عن بنوك تتعامل معه امتثالاً لقواعد الامتثال الدولية، وغالبًا ما تتوسع مثل هذه الإجراءات عبر ما يسمى تأثير العدوى المصرفية، حيث تتجنب بنوك أخرى التعامل مع الجهات المدرجة خشية المخاطر القانونية، حتى لو لم تكن ملزمة رسميًا.

في لبنان، قد يعمق القرار الانقسام السياسي الداخلي، فالمعارضون للحزب سيرونه خطوة تضغط على بنيته الاقتصادية، بينما سيعتبره مؤيدوه استهدافًا للخدمات الاجتماعية التي يعتمد عليها جزء من السكان، أما الحكومة اللبنانية فستجد نفسها أمام معادلة صعبة الدفاع عن القطاع الصحي دون الدخول في مواجهة دبلوماسية مع دولة خليجية.

إقليميًا، ينسجم القرار مع اتجاه أوسع لتحويل العقوبات إلى أداة إدارة نفوذ بدلاً من مجرد رد فعل أمني. فالضغوط لم تعد تهدف فقط إلى الردع، بل إلى إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية التي تعمل ضمنها القوى المسلحة، عبر تقليص قدرتها على تقديم خدمات موازية للدولة، بذلك لا يقتصر أثر القرار على ثمانية مستشفيات، بل يفتح بابًا جديدًا في طبيعة العقوبات الحديثة عقوبات تستهدف البنية الاجتماعية وليس العسكرية فقط، وتستخدم المال بدلاً من السلاح لإعادة رسم التوازنات.