خبير: الإخوان توظف الدين والسياسة لإعادة إنتاج نفوذها.. وتغيير أدواتها لا يغير أهداف التنظيم
خبير: الإخوان توظف الدين والسياسة لإعادة إنتاج نفوذها.. وتغيير أدواتها لا يغير أهداف التنظيم
أعاد متابعون تداول مقطع من لقاء بثته قناة نيوزنايشن الأمريكية في 13 سبتمبر 2026، تناول تداعيات هجمات 11 سبتمبر على حالة الوحدة الوطنية داخل الولايات المتحدة، وما ارتبط بها من نقاشات حول التطرف ذي الخلفية الإسلامية، وشبكات جماعة الإخوان المسلمين، ودور التيارات السياسية في التعامل مع هذه الظاهرة.
ويعيد المقطع إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المشهد الأمريكي، وهي كيفية التمييز بين الإسلام كدين وبين التنظيمات والتيارات التي تستخدم الخطاب الديني لتحقيق أهداف سياسية، وهي قضية ظلت حاضرة في الولايات المتحدة منذ هجمات 11 سبتمبر، التي شكلت نقطة تحول كبرى في التعامل مع الإرهاب والتطرف.
من تنظيم سري إلى شبكة من الحركات والواجهات المختلفة
وتعود جذور جماعة الإخوان المسلمين إلى مصر عام 1928، قبل أن يمتد تأثير أفكارها إلى دول ومجتمعات مختلفة، عبر تنظيمات وأحزاب وجمعيات وواجهات تحمل درجات متفاوتة من الارتباط الفكري أو التنظيمي بها.
وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل في التعامل مع التنظيم؛ إذ لا تظهر الجماعة دائما في صورة تنظيم واحد يتحرك بالاسم نفسه، وإنما يمكن أن تعمل عبر شبكات وكيانات وأفراد يتبنون أجزاء من أفكارها أو يرتبطون بها بدرجات مختلفة.
وتشير وثائق أمريكية إلى أن النقاش داخل الولايات المتحدة بشأن الإخوان لم يكن جديدا؛ فقد ناقش الكونجرس على مدار سنوات مسألة تصنيف الجماعة، بينما ظلت الإدارات الأمريكية تفرق بين الجماعة ككل وبين كيانات محددة مرتبطة بها اتُهمت أو ثبت تورطها في أعمال عنف.
وفي مصر، اتخذ الأمر مسارًا مختلفًا؛ إذ تصنف السلطات المصرية جماعة الإخوان كتنظيم إرهابي، كما ظل حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية للجماعة، محظورًا.
الخطاب الديني في خدمة الأهداف السياسية
ولا يرتبط الخطر بالتطرف فقط عندما يتحول إلى عمل عنيف، وإنما يبدأ في بعض الحالات من محاولة إعادة صياغة المفاهيم الدينية لخدمة مشروع سياسي، أو تقديم الصراع السياسي باعتباره صراعًا دينيًا، أو استغلال قضايا الهوية والمظلومية لتكوين بيئة قابلة للتعبئة والاستقطاب.
وتكشف التجربة الأمريكية، أن التعامل مع التنظيمات المتطرفة لا يتوقف عند مواجهة العناصر التي تحمل السلاح، وإنما يمتد إلى مواجهة الأفكار وشبكات التمويل والتجنيد والدعاية والواجهات التي يمكن أن توفر مساحة للحركة السياسية أو المجتمعية.
وفي هذا السياق، سبق لوزارة الخارجية الأمريكية أن أشارت إلى وجود جماعات عنيفة انفصلت عن جماعة الإخوان في مصر، من بينها حركتا «حسم» و«لواء الثورة»، اللتان صنفتهما الولايات المتحدة كيانات إرهابية، مع الإشارة إلى ارتباط بعض قياداتهما السابقة بالجماعة.
بين النشاط السياسي والعمل السري.. معركة المصطلحات
أحد أبرز التحديات في ملف الإخوان يتمثل في المساحة الفاصلة بين العمل السياسي المعلن والعمل التنظيمي السري؛ فالتنظيم قدم نفسه في مراحل مختلفة باعتباره حركة دينية واجتماعية وسياسية، بينما اتهمته السلطات المصرية ودول أخرى باستخدام شبكات تنظيمية مغلقة وواجهات متعددة لتحقيق أهدافه.
ولهذا ظل الجدل الأمريكي حول الجماعة مرتبطا بسؤال أساسي: هل يمكن التعامل مع «الإخوان» باعتبارهم كيانًا واحدًا، أم أن هناك فروعًا وتنظيمات وكيانات مختلفة يجب تقييم كل منها بصورة منفصلة؟
وتوضح وثائق للكونجرس، أن هذا الخلاف كان حاضرًا بقوة؛ فهناك من طالب بتصنيف الجماعة تنظيمًا إرهابيًا، في مقابل رأي قانوني وسياسي يرى أن الطبيعة المتنوعة للشبكات المرتبطة بالإخوان تجعل التصنيف الشامل أكثر تعقيدا من الناحية القانونية.
هجمات 11 سبتمبر.. نقطة فاصلة في مواجهة التطرف
وبعد هجمات 11 سبتمبر 2001، أصبحت قضية التطرف والإرهاب جزءا مركزيا من الأمن القومي الأمريكي، وبدأت المؤسسات الأمريكية في إعادة تقييم مصادر التجنيد والتمويل والدعاية، إلى جانب ملاحقة التنظيمات التي ثبت تورطها في أعمال إرهابية.
لكن مرور السنوات لم ينه الجدل حول كيفية التعامل مع التيارات التي لا تستخدم العنف بصورة مباشرة، لكنها تتبنى أفكارًا أو خطابًا يمكن أن يتحول إلى أداة للتعبئة والاستقطاب.
ومن هنا تأتي أهمية إعادة تداول المقطع الأمريكي؛ فالنقاش لم يعد مقتصرا على منفذي الهجمات أو التنظيمات المسلحة، وإنما امتد إلى البيئة الفكرية والسياسية التي يمكن أن تستغل مخاوف المجتمع وانقساماته لإعادة إنتاج نفوذها.
هل يتحول التطرف إلى مشروع سياسي؟
القضية الأوسع التي يفتحها هذا النقاش هي قدرة التنظيمات الأيديولوجية على تغيير أدواتها وفقا للبيئة المحيطة بها؛ فحين تصبح المواجهة الأمنية أكثر صعوبة، يمكن أن تنتقل المعركة إلى ساحات الإعلام والسياسة والمجتمع المدني والخطاب الحقوقي.
وهذا لا يعني تلقائيًا أن كل مؤسسة أو جمعية أو شخصية تتعامل مع الإسلاميين تمثل امتدادًا لجماعة الإخوان، كما لا يعني أن كل تيار سياسي أمريكي يتبنى موقفًا متعاطفًا مع قضايا المسلمين يدعم التنظيم.
لكن التجربة التاريخية تجعل التدقيق في مصادر الخطاب، والتمويل، والعلاقات التنظيمية، والمواقف من العنف، أمرًا أساسيًا عند تقييم أي ادعاء بوجود صلات بين جهات سياسية وشبكات إخوانية.
من استغلال الدين إلى توظيف السياسة
وتكشف هذه القضية في جوهرها عن واحدة من آليات عمل التنظيمات الأيديولوجية؛ وهي القدرة على الانتقال بين أكثر من خطاب وفقًا للظرف السياسي، مع الحفاظ على الهدف الأساسي المتمثل في توسيع النفوذ وبناء شبكات تأثير طويلة المدى.
وبينما يظل الإسلام دينًا يعتنقه ملايين الأمريكيين، فإن الخلط بين الإسلام كدين وبين التنظيمات المتطرفة أو السياسية ذات المرجعية الدينية يخلق مشكلة أخرى؛ لأنه يمنح المتطرفين فرصة تقديم أنفسهم باعتبارهم ممثلين عن دين بأكمله، وهو ما يرفضه خطاب مكافحة التطرف الذي يركز على استهداف التنظيم والفكر المتطرف لا أتباع الدين ككل.
ويضع المقطع المتداول هذه القضية مجددًا أمام الرأي العام الأمريكي: كيف يمكن حماية المجتمع من التطرف، من دون الوقوع في التعميم، وكيف يمكن كشف محاولات استغلال الدين أو السياسة دون الخلط بين الانتماء الديني والنشاط التنظيمي؟
ويبقى جوهر المعركة في النهاية هو منع أي تنظيم متطرف من تحويل الخلاف السياسي إلى صراع ديني، أو استخدام الديمقراطية وحرية التعبير كغطاء لإعادة بناء شبكات التطرف، مع الاحتفاظ بالتمييز الضروري بين الأفكار السياسية المشروعة وبين الدعوة إلى العنف أو دعم التنظيمات الإرهابية.
قال إسلام الكتاتني، الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة: إن إعادة تداول النقاشات الأمريكية حول جماعة الإخوان والتطرف يعكس استمرار الجدل بشأن طبيعة التنظيم وقدرته على تغيير أدواته وخطابه وفقًا للبيئة السياسية التي يتحرك داخلها.
وأوضح الكتاتني للعرب مباشر، أن خطورة جماعة الإخوان لا ترتبط فقط بالشكل التنظيمي المباشر، وإنما بما وصفه بقدرتها على التحرك من خلال مساحات وواجهات متعددة، وإعادة تقديم خطابها بصورة تتناسب مع طبيعة المجتمع الذي تستهدف التأثير فيه، مشيرًا إلى أن التنظيم تاريخيًا حاول الجمع بين النشاط الدعوي والاجتماعي والسياسي ضمن مشروع واحد.
وأضاف: أن تجربة الجماعة كشفت عن اعتمادها على استثمار حالة الاستقطاب والأزمات السياسية، وتحويل القضايا المجتمعية والدينية إلى أدوات للتعبئة والحشد، بما يسمح لها بالحفاظ على حضورها حتى في ظل الضغوط الأمنية والسياسية.
وأشار الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة إلى أن التعامل مع ظاهرة التطرف يتطلب التمييز بين الإسلام كدين وبين التنظيمات التي توظف الخطاب الديني لتحقيق أهداف سياسية أو أيديولوجية، مؤكدًا أن مواجهة الفكر المتطرف لا تكون فقط عبر الإجراءات الأمنية، وإنما أيضًا بكشف أدوات الدعاية والتجنيد وإعادة إنتاج الخطاب المتطرف.
ولفت الكتاتني إلى أن ما بعد هجمات 11 سبتمبر كشف حجم التحدي الذي تمثله التنظيمات المتطرفة وشبكاتها الفكرية، مؤكدًا أن الجماعات الأيديولوجية تسعى باستمرار إلى تطوير أدواتها والانتقال بين مساحات مختلفة، من العمل التنظيمي المباشر إلى الإعلام والسياسة والمجتمع.
وأكد أن مواجهة الإخوان تتطلب قراءة خطابها وممارساتها وسياق تحركاتها بصورة دقيقة، وعدم الاكتفاء بالشعارات التي ترفعها الجماعة، مشددًا على أهمية تفكيك الخطاب الذي يسعى إلى تقديم التنظيم باعتباره ممثلا للدين، في حين أن الخلاف الحقيقي يتعلق بمشروع سياسي وتنظيمي له أهدافه وأدواته.

العرب مباشر
الكلمات