| الخميس 20 فبراير 2020
رئيس التحرير
علياء عيد
الثلاثاء 21/يناير/2020 - 09:05 م

قادة الطوائف في لبنان يشترطون "الدم" أو "الطائفية"

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية
arabmubasher.com/176201

يكافح الشعب اللبناني في مواجهة أزمة اقتصادية طاحنة تهدد استقراره الاجتماعي، وفساد سياسي متوطِّن، ونظام للمحسوبية السياسية قائم على الولاء الطائفي، حتى باتت المحاصصة والطائفية حجر عثرة لتشكيل الحكومة الجديدة، ثلاثة أيام من العنف هزت عرش لبنان، وهددت ملوك الطوائف "الحاكمة".

لفترة طويلة، كان اللبنانيون مضطرين لكتم غضبهم في مواجهة نخب غير مبالية، غضب سرعان ما تفاقم مع قيام السلطات بإقرار مشروع موازنة العام في يوليو الماضي، متأخرا عن موعده بستة أشهر كاملة، ومتضمنا العديد من الإجراءات الاقتصادية القاسية التي شملت خفض الرواتب وزيادة الضرائب؛ ما أدى إلى نشوب احتجاجات محدودة بين صفوف طلاب الجامعات والأكاديميين وحتى العسكريين المتقاعدين الذين تظاهروا احتجاجا على تخفيض معاشاتهم، احتجاجات نجح النظام في احتوائها في النهاية عبر الاستخدام الناجح لسياسة العصا والجزرة. 

ضياع العرش الأول

قادة الطوائف في لبنان

فيما كانت ضريبة "واتساب" هي القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للكثير من اللبنانيين، ودفعت مئات الآلاف للتدفق إلى الشوارع من طرابلس معقل السُّنة في الشمال إلى المناطق الشيعية في الجنوب مرورا بالعاصمة بيروت، هي التظاهرات التي نتج عنها فقدان أهم ملوك الطوائف اللبنانية لعرشه وهو سعد الحريري، رئيس حكومة تصريف الأعمال، والذي أعلن استقالته في أول ديسمبر الماضي، بينما لم يذهب العرش بعيدا إذ جلس بدلا منه "حسان دياب" وهو وزير لبناني سابق، محسوب على الطبقة الحاكمة في لبنان.

ظروف اقتصادية متردية

ورغم أن الأحوال الاقتصادية المتردية والفشل الحكومي في التعامل مع الأزمات المتتالية كانت هي العوامل التي دفعت المتظاهرين للنزول إلى الشوارع في المقام الأول كما يبدو، فإن ثورة أكتوبر، سرعان ما تحوَّلت إلى صيحة غضب ورفض ضد النظام السياسي اللبناني المتردي والمُثقَل بالطائفية والمحسوبية والفساد.

قادة الطوائف في لبنان

حيث يحتل لبنان المرتبة رقم 138 من بين 180 في مؤشر مدركات الفساد الأحدث الصادر عن الأمم المتحدة عام 2018، مع دين عام يبلغ 86 مليار دولار وتبلغ نسبته 152% من الناتج المحلي الإجمالي، ومعدلات نمو تدور حول 1% فقط، وعجز في الموازنة بلغ 11% في العام الماضي أيضا، وحكومة عاجزة عن تلبية الحد الأدنى من تطلُّعات شعبها.

نظام طائفي لم يتغير على مر التاريخ

موجة الغضب الأخيرة كانت تنتظر تغيير نظام المحاصصة والطائفية في تقسيم السلطة، والاتجاه إلى نظام تكنوقراط يخدم الأزمة الاقتصادية الطاحنة، ولكن تاريخ لبنان عكس هذه المطالب.

فيمتلك لبنان نظاما سياسيا فريدا من نوعه تعود جذوره لفترة استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي عام 1943، حيث وافق قادة لبنان آنذاك على ميثاق وطني غير مكتوب تم بموجبه اقتسام السلطة السياسية بين مختلف الديانات والطوائف في البلاد، ورغم أن النظام جرى تعديله في أكثر من مناسبة على مر السنين استجابة لأعمال العنف واختلال التوازنات بين الطوائف، فإن الملامح الرئيسية للترتيب لم تشهد تغييرات جذرية، حيث ظل منصب الرئيس دوما من نصيب المسيحيين الموارنة، في حين ذهب مقعد رئيس الوزراء إلى المسلمين السنة، واستأثر الشيعة بموقع رئيس البرلمان، فيما تم تقسيم مقاعد البرلمان بين المسلمين والمسيحيين.

الطائفية أو الدم

قادة الطوائف في لبنان

الطبقة الحاكمة في لبنان أو "قادة الطوائف" وضعوا معايير في تشكيل الحكومة، مصرين على تطبيقها على الثوار، فإما الطائفية أو الدم، وهذا ما شهدته مدن لبنان خلال الثلاثة أيام الماضية، عندما خرج المتظاهرون ضد تشكيل حكومة سياسية، ورفضهم للاستمرار في نظام المحاصصة الحكومية.

فقام ملوك الطوائف المتمثلة في حزب الله والتيار الوطني الحر وحركة أمل وحتى رئاسة الجمهورية، باستعداء قوى الأمن ضد المتظاهرين، لتمرير قوائم الحكومة الخاصة بهم.

ضوء في آخر النفق

مع إصرار "الثوار" على تكرار المشهد إياه منذ ثلاثة أيام، ومع تمسّك القوى الأمنية بقرار المواجهة حتى ولو سقط عدد من الجرحى في صفوف الطرفين، تدخل البلاد مرحلة جديدة من التأزم السياسي المنعكس توترًا على الأرض والمتصاعد يومًا بعد يوم، حتى ولو تشكّلت حكومة حسّان دياب، التي يعتبرها المنتفضون غير ممثِلة لطموحاتهم؛ الأمر الذي يفتح الساحة الداخلية، بكل تناقضاتها، على إحتمالات عدّة، من بينها الدخول في فوضى غير محسوبة النتائج والانعكاسات، وهي خطيرة، وفق ما يقرأ تداعياتها أكثر من طرف داخلي محايد أو خارجي مراقب، خصوصًا أن هذه المشاهد المتكررة تذكّر البعض بما حصل قبل سنوات في دول عربية عمّت فيها الفوضى ودخلت في مرحلة البحث عن خيارات جديدة.

أعلنت الدول الأوروبية وما يعرف بـ"أصدقاء لبنان" جهات خارجية أنها لن تقبل تدهور الأوضاع في لبنان في شكل دراماتيكي، وهي تحرص على حصر الأزمة في نطاقها الضيق، والحؤول دون تطورها إلى مرحلة يصبح التعاطي معها خارجًا عن السيطرة، مع تشديدها على أن الاستقرار على الساحة اللبنانية هو جزء من مخطط أشمل، وهي ترى أن الأمور ممسوكة ومضبوطة من خلال لعبة التوازنات بين ما هو محلي وما هو إقليمي.