أكبر شرخ بين الحليفين.. عقوبات بريطانية تشعل مواجهة مع إسرائيل

عقوبات بريطانية على إسرائيل تشعل أكبر خلاف بين الحليفين، وسط تصاعد التوترات السياسية والضغوط الدولية بسبب الحرب في غزة.

أكبر شرخ بين الحليفين.. عقوبات بريطانية تشعل مواجهة مع إسرائيل
بريطانيا

أعلنت بريطانيا فرض حظر على السلع المنتجة داخل المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، إلى جانب فرض عقوبات على شركات تشارك في موجة التوسع العمراني المتسارعة للمستوطنات، التي تعتبرها غالبية دول المجتمع الدولي غير قانونية بموجب القانون الدولي، بحسب ما نشرته صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.

وقال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أمام مجلس العموم، الثلاثاء: إن بلاده اتخذت هذه الإجراءات بالتنسيق مع فرنسا وكندا، مشيرًا إلى أن عددًا من الدول الأوروبية تعهدت على الفور بدعم الخطوة البريطانية.

بريطانيا تتهم إسرائيل بالتطهير العرقي في الضفة وتنتقد توسع المستوطنات

وأكد ميليباند، أن بريطانيا خلصت إلى أن توسع المستوطنات وأعمال العنف التي تستهدف المدنيين العرب في الضفة الغربية ترقى إلى مستوى التطهير العرقي، متهمًا الحكومة الإسرائيلية بغض الطرف عن هذه الممارسات، بل ودعم بعض أعضائها إجراءات وتصريحات تشجع على تهجير الفلسطينيين قسرًا.

وقال وزير الخارجية البريطاني: إن حكومته لن تقبل بتدمير حل الدولتين، وإنها لا تريد أن تساهم الشركات البريطانية في تمويل أو بناء أو الترويج للمستوطنات الجديدة.

وتعد هذه الخطوة التحول الأكبر في موقف بريطانيا التقليدي الداعم لإسرائيل، وتعكس حجم الضغوط التي خلفتها السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية والحرب في قطاع غزة على العلاقات التاريخية بين لندن وتل أبيب.

العقوبات البريطانية على إسرائيل تصطدم بإدارة ترامب وتهدد بتوتر مع واشنطن

كما وضعت الإجراءات البريطانية الحكومة البريطانية في مواجهة مباشرة مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث حذر السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي من أن هذا التحول في السياسة البريطانية قد يؤدي إلى إجراءات انتقامية من واشنطن ومن ولايات أمريكية، مثل فلوريدا، التي لديها قوانين تفرض إجراءات مماثلة ردًا على القيود التجارية المفروضة على إسرائيل.

وقال هاكابي -في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية-: إن بريطانيا ربما لا تدرك التداعيات الكاملة لهذا القرار وتأثيره على المواطنين البريطانيين، واصفًا الخطوة بأنها إجراء غير منطقي.

وكان هاكابي قد اتهم في تصريحات سابقة توجه بريطانيا نحو حظر التجارة مع المستوطنات بأنه نابع من كراهية لليهود، رغم أن ميليباند، الذي يقود ما وصفه بإعادة ضبط سياسة بريطانيا تجاه إسرائيل، يهودي الديانة.

إسرائيل ترد بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس

وردت الحكومة الإسرائيلية سريعًا على القرار البريطاني، حيث أمرت بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس، وطرد ممثلين بريطانيين من مركز التنسيق الذي تقوده الولايات المتحدة في جنوب إسرائيل لمتابعة جهود السلام في قطاع غزة.

كما أعلنت إسرائيل نيتها منع دخول مسؤولين بريطانيين متهمين بالمشاركة في أنشطة وصفتها بأنها معادية للسامية، ومن بينهم الزعيم السابق لحزب العمال البريطاني جيريمي كوربين.

ويمثل تبادل الإجراءات بين البلدين تصاعدًا جديدًا في التوترات، واستمرارًا للنهج الأكثر تشددًا تجاه إسرائيل الذي تبنته حكومة حزب العمال منذ وصولها إلى السلطة عام 2024.

اعتراف بريطانيا بدولة فلسطين.. تحول تاريخي في السياسة البريطانية تجاه الصراع

وكان رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر قد اتخذ قبل عام خطوة تاريخية عندما اعترفت بريطانيا رسميًا بدولة فلسطين، في تحول عن سياسة بريطانية استمرت لعقود كانت تربط الاعتراف بالتوصل إلى اتفاق تفاوضي بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

كما علقت الحكومة البريطانية بعض تراخيص تصدير الأسلحة إلى إسرائيل بسبب المخاوف بشأن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين في قطاع غزة.

12 دولة غربية تدعم التحرك البريطاني

وفي بيان مشترك، أكد وزراء خارجية بريطانيا وكندا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وأيسلندا وأيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد أن حظر التجارة مع المستوطنات وفرض العقوبات يهدفان إلى إنقاذ فرص تطبيق حل الدولتين، بحيث تعيش إسرائيل ودولة فلسطينية مستقبلية كجارين مستقلين.

ورغم تأكيد الدول الموقعة على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها عقب هجمات السابع من أكتوبر 2023 التي نفذتها حركة حماس من قطاع غزة، فإنها طالبت الحكومة الإسرائيلية باتخاذ إجراءات فورية للحد من عنف المستوطنين في الضفة الغربية.

وجاء في البيان أن على الحكومة الإسرائيلية وقف توسيع المستوطنات والصلاحيات الإدارية المدنية المرتبطة بها، وضمان محاسبة المسؤولين عن عنف المستوطنين، والتحقيق في الاتهامات الموجهة إلى القوات الإسرائيلية.

وتأتي هذه الإجراءات بعد موجة من الهجمات التي شنها مستوطنون إسرائيليون ضد بلدات ومزارع فلسطينية، في كثير من الحالات أمام أعين جنود إسرائيليين لم يتدخلوا لمنعها.

ووثقت الأمم المتحدة ما يقرب من 200 هجوم شهريًا خلال عام 2026، محذرة من أن العدد قد يصل إلى مستوى قياسي يبلغ نحو ألفي هجوم خلال العام.

تصاعد البناء الاستيطاني ومشروع E1

وتزامنت الخطوة البريطانية مع توسع كبير في مشاريع الاستيطان خلال حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، التي أعطت الضوء الأخضر لمشروع E1 المثير للجدل، وهو مخطط لإنشاء منطقة استيطانية تبلغ مساحتها نحو خمسة أميال مربعة وتضم آلاف الوحدات السكنية بالقرب من القدس الشرقية.

ويرى منتقدو المشروع أنه سيؤدي عمليًا إلى تقسيم الضفة الغربية إلى قسمين، ويجعل إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أمرًا شبه مستحيل.

وكان وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قد أعرب الشهر الماضي عن أمله في أن يؤدي مشروع E1 إلى دفن فكرة إقامة دولة فلسطينية.

ووصف ميليباند القرار الإسرائيلي بالمضي قدمًا في المشروع بأنه عمل غير مقبول ومدمر، وانضمت بريطانيا إلى عدد من الدول الأوروبية في تقديم اعتراضات رسمية على المخطط.

وتستهدف الإجراءات البريطانية الجديدة الشركات البريطانية التي تمول أو تبني وحدات سكنية جديدة في المستوطنات، كما تمنع دخول منتجات المستوطنات، بما في ذلك النبيذ والتمور وسلع تصديرية أخرى، إلى السوق البريطانية.

ولم يتضح حتى الآن كيف ستفرق الحكومة البريطانية بين المنتجات القادمة من الضفة الغربية وتلك المنتجة داخل إسرائيل، إذ تحمل معظم المنتجات في الوقت الحالي علامة واحدة هي صنع في إسرائيل.

تغيير في السياسة البريطانية تجاه إسرائيل

وتولى إد ميليباند منصب وزير الخارجية البريطاني في يوليو الماضي بعد استبدال كير ستارمر برئيس الوزراء آندي بيرنهام، حيث أعرب كل من ميليباند وبيرنهام عن قلقهما من السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة.

وكان ميليباند قد مهد خلال الأسبوع الماضي لهذه الخطوة، مؤكدًا أمام نواب البرلمان أن بريطانيا لن تقبل بتدمير حل الدولتين، وأن حكومته لا تريد رؤية شركات بريطانية تمول أو تبني أو تسوق للمستوطنات الجديدة.

وحذرت إسرائيل من الرد على الإجراءات البريطانية، وقال وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر: إن بلاده ستتخذ إجراءات ضد بريطانيا إذا تحركت لندن ضد الدولة الإسرائيلية.

ومنذ توليه السلطة، دفع بيرنهام باتجاه موقف أكثر تشددًا تجاه إسرائيل، مؤكدًا أن بريطانيا كان ينبغي أن تدعو في وقت سابق إلى وقف إطلاق النار في غزة، واصفًا المعاناة الإنسانية هناك بأنها جرح في الضمير الجماعي.

انتقادات داخلية في بريطانيا

وأثارت العقوبات اعتراضات داخل بريطانيا، حيث عارضت بعض المنظمات اليهودية البريطانية الخطوة، معتبرة أنها مدفوعة باعتبارات سياسية داخلية، وقد تؤدي إلى زيادة معاداة السامية في البلاد، كما شككت في قدرتها على تغيير السياسة الإسرائيلية.

وحذر الحاخام الأكبر في بريطانيا إفرايم ميرفيس من أن حظر تجارة المستوطنات قد يتحول عمليًا إلى مقاطعة أوسع للتجارة مع إسرائيل، قائلًا: إن تصاعد الخطاب ضد إسرائيل غالبًا ما يتبعه تصاعد في العداء لليهود.

في المقابل، اتهم مسؤولون إسرائيليون، بينهم ساعر، حكومة بيرنهام بمحاولة استرضاء التيار اليساري قبل مؤتمر حزب العمال السنوي، في ظل معاناة نواب الحزب من تراجع شعبيتهم أمام حزب الخضر البريطاني الذي يدعم الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين.

وقال مصدر مطلع على المناقشات داخل الحكومة الإسرائيلية: إن النظرة السائدة في تل أبيب هي أن بريطانيا أصبحت أكثر تأثرًا بالسياسات الداخلية، وأن التحرك البريطاني يحمل دوافع سياسية.

إسرائيل تحذر من تداعيات الانتخابات المقبلة

ووصف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ حظر منتجات المستوطنات بأنه سوء تقدير خطير، مؤكدًا أن العقوبات ليست حلًا وأن الحوار هو السبيل الأفضل.

ودعا هرتسوغ الحكومات الأجنبية إلى التخلي عن المقاطعات والعقوبات والعودة إلى الحوار والتعاون.

كما دعا بعض المتشددين في إسرائيل إلى طرد السفير البريطاني، لكن ساعر لم يتخذ هذا الإجراء.

وكانت إسرائيل قد سبق أن طردت دبلوماسيين هولنديين من مركز تنسيق غزة بعد قرار هولندا حظر منتجات المستوطنات.

وتأتي هذه التطورات في وقت تستعد فيه إسرائيل لانتخابات أكتوبر المقبل، حيث يحاول نتنياهو مواجهة تحالف من خصومه السياسيين الساعين إلى إنهاء فترة حكمه الطويلة.

وفي خضم أزمة العقوبات المتصاعدة، واجه نتنياهو أيضًا اتهامات جديدة تتعلق بتجاهل تحذيرات مسبقة بشأن هجمات السابع من أكتوبر.

وذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية، نقلًا عن مؤلفي كتاب جديد، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي تلقى تحذيرًا مباشرًا من الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، بشأن استعداد حركة حماس لتنفيذ عملية واسعة.

ونفى مكتب نتنياهو هذه التقارير، مؤكدًا -في بيان- أنه لم يتلق أي تحذير من دولة الإمارات قبل هجمات السابع من أكتوبر.