باريس ضد الإخوان.. الرأي العام الفرنسي يميل نحو حظر الجماعة وسط جدل الهوية والأمن
باريس ضد الإخوان.. الرأي العام الفرنسي يميل نحو حظر الجماعة وسط جدل الهوية والأمن
لم يعد الجدل حول جماعة الإخوان المسلمين في فرنسا محصورًا في أروقة السياسة أو تقارير الأجهزة الأمنية، بل انتقل بقوة إلى ساحة الرأي العام، حيث بدأت المزاجات الشعبية تميل بشكل واضح نحو تشديد القيود على أنشطة الجماعة ومنظماتها، ففي بلد يرفع شعار العلمانية كركيزة أساسية للجمهورية، تتقاطع مخاوف الأمن القومي مع أسئلة الهوية والاندماج، لتنتج نقاشًا محتدمًا حول دور الحركات الإسلامية العابرة للحدود في المجتمع الفرنسي، ومع تصاعد التحذيرات من التغلغل الأيديولوجي داخل المؤسسات والجمعيات، بات ملف الإخوان اختبارًا جديدًا لقدرة الدولة على الموازنة بين حماية الحريات العامة وصون قيم الجمهورية.
دراسة حديثة فجّرت هذا النقاش مجددًا، كاشفة عن تحوّل لافت في مواقف الفرنسيين، بمن فيهم جزء معتبر من الجالية المسلمة، تجاه فكرة الحظر، في مشهد يعكس تغيرًا عميقًا في النظرة إلى الجماعة ومستقبل حضورها في أوروبا.
أغلبية الفرنسيين ضد الإخوان
أظهرت دراسة فرنسية حديثة تحوّلًا ملموسًا في موقف الشارع تجاه جماعة الإخوان المسلمين، حيث باتت أغلبية الفرنسيين تميل إلى دعم حظر المنظمات المرتبطة بها، سواء على الصعيد السياسي أو المالي.
ووفقًا لاستطلاع أجرته مؤسسة أيفوب لصالح مؤسسة إيه دي في، فإن 53% من المستطلَعين يؤيدون فرض قيود صارمة تصل إلى منع نشاط هذه الكيانات داخل فرنسا، وهو رقم يعكس تغيرًا نوعيًا مقارنة بالسنوات الماضية، حين كان النقاش أكثر حذرًا وأقل حسمًا.
هذا التوجه الشعبي لا يأتي من فراغ، بل يرتبط بسياق أوسع تشهده فرنسا وأوروبا عمومًا، يتمثل في تنامي القلق من الحركات التي تُتهم باستغلال الفضاء الديمقراطي لبناء شبكات نفوذ موازية، خصوصًا في الأوساط التعليمية والدينية والجمعوية.
صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية ربطت هذه النتائج بما وصفته بـ وعي متزايد لدى الرأي العام بمخاطر ما يُعرف بالتغلغل الإخواني في المجتمعات الغربية، عبر واجهات قانونية تبدو ظاهريًا منسجمة مع القوانين، لكنها – وفق منتقديها – تحمل مشروعًا أيديولوجيًا طويل الأمد.
ملامح تغيير تدريجي
على الصعيد الدولي، يأتي هذا التحول الفرنسي في ظل موجة عالمية أكثر تشددًا تجاه الجماعة. فدول عربية عدة، مثل مصر والإمارات والسعودية، سبقت إلى تصنيف الإخوان كمنظمة محظورة، معتبرة إياها تهديدًا مباشرًا للاستقرار السياسي والأمني.
أما في الغرب، ورغم التردد التاريخي في اتخاذ قرارات مماثلة، بدأت ملامح تغيير تدريجي بالظهور، خاصة مع إدراج الولايات المتحدة بعض فروع الجماعة في دول مثل مصر ولبنان والأردن على قوائم المنظمات الإرهابية الأجنبية.
صعوبات قضائية
لكن الطريق القانوني في أوروبا ما يزال محفوفًا بالتعقيدات، أتمان تزاغهارت، مؤلف الدراسة، يشير إلى أن الفروع الأوروبية والأمريكية للإخوان دأبت على نفي أي ارتباط تنظيمي مباشر بالقيادة المركزية للجماعة، وهو ما يخلق صعوبات قضائية حقيقية أمام محاولات الحظر الشامل، هذا الفصل المعلن بين الفكر والتنظيم يتيح هامشًا للمناورة القانونية، ويجعل أي قرار رسمي عرضة للطعن أمام المحاكم.
اللافت في نتائج الدراسة هو موقف الجالية المسلمة الفرنسية، الذي جاء أكثر تنوعًا مما قد يتوقعه البعض، إذ أظهر الاستطلاع أن 38% من المسلمين في فرنسا يؤيدون حظر الإخوان، مقابل 43% يعارضون الفكرة، فيما فضّل 19% عدم إبداء رأي واضح.
هذا الانقسام يعكس بدوره صراعًا داخليًا حول تمثيل الإسلام في الفضاء العام، والخشية من أن يُنظر إلى أي إجراء ضد الإخوان بوصفه استهدافًا للدين ككل.
المعارضون للحظر داخل الجالية المسلمة عبّروا عن مخاوف متعددة، أبرزها أن يؤدي القرار إلى تعميم الشبهة على جميع المسلمين (41%)، أو أن تكون له نتائج عكسية تدفع بعض الشباب نحو تيارات أكثر تطرفًا (31%)، في المقابل، يرى المؤيدون أن الحظر قد يساهم في فك الارتباط بين الإسلام كدين والإسلام السياسي كأيديولوجيا (48%)، ويعزز احترام قوانين الجمهورية والتماسك الوطني (47%)، فضلًا عن تقليص مظاهر الانقسام المجتمعي (36%).
أرقام وإحصائيات
الدراسة كشفت أيضًا عن فروقات لافتة بين الأجيال والمناطق، فبين المسلمين المؤيدين للحظر، سجل الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا النسبة الأعلى (47%)، في حين أبدى من هم فوق سن الخمسين معارضة أكبر (54%).
جغرافيًا، حظي الحظر بدعم أقوى في الضواحي الشعبية بنسبة 46%، بينما ارتفعت نسبة الرافضين في الضواحي الثرية إلى 54%، ما يعكس تأثير العوامل الاجتماعية والاقتصادية في تشكيل المواقف.
أما على مستوى الجنس والانتماء السياسي، فتشير الأرقام إلى أن 62% من الرجال يؤيدون الحظر مقابل 43% من النساء.
سياسيًا، يكاد الإجماع يكون عابرًا للأيديولوجيات، إذ أيده 83% من ناخبي فاليري بيكريس، و69% من أنصار إريك زيمور، و54% من ناخبي مارين لوبان وإيمانويل ماكرون وجان-لوك ميلنشون، في مشهد نادر يجمع أطيافًا متناقضة حول قضية واحدة.
في المحصلة، تكشف هذه المعطيات أن فرنسا تقف أمام منعطف حساس، حيث لم يعد ملف الإخوان مجرد قضية أمنية أو أيديولوجية، بل أصبح مرآة تعكس قلق المجتمع من تحديات الاندماج، وحدود التسامح، ومستقبل النموذج الجمهوري نفسه.

العرب مباشر
الكلمات