من الأسواق إلى الشوارع.. كيف تحولت أزمة المعيشة في إيران إلى تحدٍ سياسي شامل
من الأسواق إلى الشوارع.. كيف تحولت أزمة المعيشة في إيران إلى تحدٍ سياسي شامل
تشهد إيران موجة احتجاجات واسعة النطاق تُعد الأكبر منذ سنوات، وسط تصاعد الغضب الشعبي واتساع رقعة الاضطرابات لتشمل جميع المحافظات الإحدى والثلاثين، في تحدٍ غير مسبوق للسلطات، بحسب ما نشرته شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
ومع فرض انقطاع شبه كامل للاتصالات وعزل البلاد عن العالم الخارجي، تتزايد المخاوف من انزلاق الأوضاع نحو مزيد من العنف، في وقت لوّح فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإمكانية التدخل إذا استخدمت قوات الأمن القوة المفرطة ضد المتظاهرين.
اندلاع الاحتجاجات وأسبابها
بدأت شرارة الاحتجاجات قبل نحو أسبوعين في بازار طهران، على خلفية الارتفاع الحاد في معدلات التضخم وتدهور القدرة الشرائية، قبل أن تمتد سريعًا إلى أكثر من 180 مدينة وبلدة، وتتحول من مطالب اقتصادية إلى احتجاجات عامة ضد النظام.
وبلغ الغضب ذروته مع الارتفاع المفاجئ في أسعار السلع الأساسية مثل زيت الطهي والدجاج، واختفاء بعض المنتجات من الأسواق، ما عمّق الشعور بالأزمة المعيشية.
وساهم قرار البنك المركزي بإنهاء برنامج كان يتيح لبعض المستوردين الحصول على الدولار الأميركي بسعر تفضيلي في تفجير الغضب، إذ أدى القرار إلى قفزات سعرية كبيرة وإغلاق عدد من المتاجر أبوابها، الأمر الذي أشعل التظاهرات.
ويُعد تحرك أصحاب المتاجر في البازارات، المعروفين تاريخيًا بدعمهم للجمهورية الإسلامية، تطورًا لافتًا نظرًا لدورهم التقليدي كقاعدة اجتماعية داعمة للنظام.
محاولات الاحتواء وفشلها
سعت الحكومة ذات التوجه الإصلاحي إلى تهدئة الشارع عبر تقديم مساعدات نقدية مباشرة تقدر بنحو سبعة دولارات شهريًا لكل فرد، غير أن هذه الخطوة لم تنجح في احتواء الغضب المتصاعد، مع استمرار التظاهرات واتساع نطاقها.
حجم الاحتجاجات والخسائر البشرية
تُعد هذه الاضطرابات الأكبر منذ عام 2022، عندما أدت وفاة الشابة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى شرطة الأخلاق إلى اندلاع احتجاجات واسعة تحت شعار المرأة الحياة الحرية.
ووفق تقديرات منظمة حقوقية مقرها الولايات المتحدة، قُتل قرابة 500 متظاهر، بينهم أطفال، منذ بدء الاحتجاجات الحالية، فيما جرى اعتقال أكثر من عشرة آلاف شخص.
ولم يتسن التحقق بشكل مستقل من هذه الأرقام، إلا أن المؤشرات تؤكد سقوط أعداد كبيرة من الضحايا.
وردد المحتجون شعارات تطالب بسقوط المرشد الأعلى علي خامنئي، في تحدٍ مباشر لأعلى سلطة سياسية ودينية في البلاد، ما يعكس تحولاً نوعيًا في طبيعة الاحتجاجات من مطالب معيشية إلى مواجهة سياسية مفتوحة.
خصوصية هذه الموجة مقارنة بالسابق
تتميز الاحتجاجات الحالية بانطلاقها من البازارات، التي لعبت تاريخيًا دورًا محوريًا في التحولات السياسية بإيران، وكان دعمها لرجال الدين عاملاً حاسمًا في نجاح ثورة 1979.
ورغم تراجع دورها السياسي المباشر في العقود الأخيرة، فإن تأثرها الحاد بتقلبات العملة والسياسات الاقتصادية دفعها هذه المرة إلى إشعال شرارة الاحتجاج.
وسعت السلطات إلى التمييز بين محتجين بدوافع اقتصادية وآخرين يطالبون بتغيير النظام، ووصفت الفئة الثانية بالمخربين والمرتبطين بقوى خارجية، ملوّحة بتشديد القمع.
وجاء ذلك في سياق أمني حساس، بعد الضربات الإسرائيلية والأميركية التي استهدفت مواقع إيرانية العام الماضي، وما تبعها من تراجع في نفوذ طهران الإقليمي.
كما برز اسم رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل، كرمز معارض في الخارج، حيث دعا الإيرانيين إلى النزول للشوارع، ما أضاف بعدًا سياسيًا جديدًا للاحتجاجات.
النظام الإيراني وردود الفعل الداخلية
تدار إيران منذ عام 1979 كنظام ديني يقوده المرشد الأعلى، فيما يتمتع الرئيس المنتخب بصلاحيات محدودة.
ورغم انتخاب مسعود بزشكيان رئيسًا عام 2024 ببرنامج أكثر براغماتية، فإن القرار النهائي في شؤون الدولة يبقى بيد المرشد.
وفي خضم الاضطرابات، حمّل بزشكيان ما وصفه بعناصر مرتبطة بالخارج مسؤولية أعمال التخريب، مشيرًا إلى أن الحرب القصيرة مع إسرائيل العام الماضي أدخلت البلاد في حالة فوضى.
وفي تصعيد لافت، حذّر الادعاء العام من أن بعض المتظاهرين قد يواجهون عقوبة الإعدام، باعتبار أعمال التخريب حربًا على الدولة.
ويرى محللون، أن الفساد المستشري وسوء إدارة الموارد، إلى جانب العقوبات الأميركية والمشكلات البيئية وتكلس القيادة السياسية، دفعت البلاد إلى حافة الانفجار.
ويؤكد خبراء، أن النظام يفتقر إلى رؤية واضحة للخروج من أزماته المتراكمة، مع تراجع ثقة قطاعات واسعة من المجتمع في مؤسساته.
الموقف الأميركي والتصعيد المحتمل على الصعيد الدولي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن إدارته تراقب تطورات الاحتجاجات وتدرس خيارات عسكرية محتملة، محذراً طهران من عواقب وخيمة إذا قُتل مزيد من المتظاهرين.
وكشف ترامب عن تلقيه اتصالاً من الجانب الإيراني لبحث التفاوض، في إشارة إلى قنوات اتصال ما تزال مفتوحة بين الطرفين.
بدورها، أكدت الخارجية الإيرانية استعداد طهران للتفاوض على أساس الاحترام والمصالح المتبادلة، مع استمرار التواصل بين الجانبين عبر قنوات دبلوماسية غير مباشرة.
ويأتي ذلك بعد أشهر من أول مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، ما يضفي على المشهد الراهن حساسية استثنائية.
في المقابل، دعا المرشد الأعلى علي خامنئي ترامب إلى التركيز على مشكلات بلاده، مؤكدًا أن الشعب الإيراني سيتصدى لما وصفه بالمؤامرات الخارجية، وأن الجمهورية الإسلامية لن تتراجع أمام من يسعون إلى إسقاطها.

العرب مباشر
الكلمات