على وقع الإنذارات والنار.. إسرائيل تعيد فتح جبهة الجنوب اللبناني وتختبر هشاشة الهدنة
على وقع الإنذارات والنار.. إسرائيل تعيد فتح جبهة الجنوب اللبناني وتختبر هشاشة الهدنة
لم يكن التحذير الإسرائيلي هذه المرة مجرد سطر عابر في بيان عسكري، بل إنذارًا ثقيل الظل أعاد القرى الجنوبية والبقاعية إلى ذاكرة النزوح، والناس إلى حقيبة الطوارئ المركونة دائمًا خلف باب البيت، فجأة، عادت أسماء القرى إلى نشرات الأخبار كفر حتى، أنان، عين التينة، المنارة وعاد معها السؤال القديم الجديد هل نحن أمام جولة محدودة أم بداية مسار تصعيدي مفتوح؟
الغارات التي استهدفت جنوب لبنان وشرقه، مترافقة مع تحذيرات بالإخلاء، بدت كأنها رسالة متعددة العناوين إلى حزب الله وحماس، إلى الدولة اللبنانية، وإلى لجنة مراقبة وقف إطلاق النار التي تستعد للاجتماع، في هذا المشهد المشحون، تختلط السياسة بالميدان، ويصبح المدني مرة أخرى في قلب معادلة لا يملك مفاتيحها، سوى أن يفرّ عندما يُطلب منه الفرار.
غارات محسوبة ورسائل أبعد من الدخان
شنّ الجيش الإسرائيلي سلسلة ضربات جوية استهدفت مواقع في جنوب لبنان وشرقه، في تحرك وُصف بأنه الأوسع منذ بداية العام.
اللافت، أن العملية سبقتها تحذيرات رسمية لسكان أربع قرى بوجوب الإخلاء الفوري والابتعاد لمسافة لا تقل عن 300 متر عن الأهداف المحددة.
هذا النمط – التحذير قبل القصف – يُستخدم عادة حين تريد إسرائيل توجيه رسالة مزدوجة ضرب الهدف العسكري مع تقليل الخسائر المدنية، وإثبات أنها تلتزم بقواعد الاشتباك، ولو شكليًا.
في كفر حتى جنوبًا، رُصد نزوح عشرات العائلات فور صدور الإنذار، وسط تحليق كثيف للطائرات المسيّرة واستنفار سيارات الإسعاف والدفاع المدني.
مشهد يتكرر كلما عاد الجنوب إلى واجهة النار طرقات ضيقة، سيارات محمّلة بما خفّ وزنه وغلا ثمنه، ووجوه تعرف هذا السيناريو أكثر مما تحب.
الغارات طالت كذلك عين التينة والمنارة في البقاع الغربي، إضافة إلى أنان جنوبًا.
ووفق البيانات الإسرائيلية، فإن الضربات استهدفت مواقع تابعة لحزب الله في كفر حتى وعين التينة، ومواقع لحركة حماس في أنان والمنارة، هنا تحديدًا، يدخل البقاع على خط النار، وهو ما يحمل دلالة توسّع جغرافي محسوب في بنك الأهداف.
قرى على خط النار
أحد المنازل المستهدفة في المنارة يعود لشرحبيل السيد، الذي اغتاله الجيش الإسرائيلي العام الماضي، ما يفتح باب الأسئلة حول ما إذا كان الاستهداف يحمل طابعًا رمزيًا، أو يدخل ضمن سياسة تجفيف البنية التحتية المحيطة بالخصوم، في كل الأحوال، النتيجة واحدة، بيوت تُقصف، وقرى تُفرغ مؤقتًا، وسكان يعيشون بين إنذار وإنذار.
التحذيرات الإسرائيلية هذا العام تُعد الأولى من نوعها بهذه الصيغة العلنية، وهو ما يشي بتحوّل في طريقة إدارة الاشتباك، إسرائيل تريد أن تقول، نحن نضرب، لكننا نُخطر، في محاولة لتقليل الضغط الدولي المحتمل، غير أن الواقع على الأرض لا يعرف هذه التوازنات الدقيقة، بل يعرف فقط أن القصف عاد.
التوقيت السياسي عندما يسبق القصف الاجتماعات
التصعيد جاء عشية اجتماع لجنة مراقبة تطبيق وقف إطلاق النار، التي تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا وقوات "اليونيفيل"، توقيت لا يمكن فصله عن الرسائل السياسية، الرئيس اللبناني جوزيف عون عبّر بوضوح عن استغرابه من هذه الاعتداءات قبل ساعات من اجتماع اللجنة، معتبرًا أنها تثير علامات استفهام كبرى حول النيات الإسرائيلية، وقد تهدف إلى تعطيل أي مسار تهدئة.
عون شدد على أن لبنان ملتزم بالتجاوب مع المساعي الدولية، وأن الجيش اللبناني ينفذ قرارات الحكومة جنوب الليطاني بدقة وحرفية. هذا الكلام ليس مجرد موقف بروتوكولي، بل محاولة لتثبيت رواية رسمية تقول إن الدولة تقوم بواجبها، وأن أي تصعيد إسرائيلي لا يمكن تبريره بذريعة "الفراغ الأمني".
في المقابل، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصدر أمني كبير قوله إن تل أبيب لا تنوي تفكيك المواقع العسكرية الخمسة داخل الأراضي اللبنانية، تصريح يعكس بوضوح أن إسرائيل تتعامل مع هذه النقاط كأوراق ضغط دائمة، لا كإجراءات مؤقتة، ما يضع علامات استفهام حول جدية الالتزام الكامل بروح اتفاق وقف إطلاق النار.
نزع السلاح عنوان ثقيل على طاولة الحكومة
بالتوازي مع هذا المشهد، يستعد مجلس الوزراء اللبناني لجلسة يُفترض أن يطلع فيها من قائد الجيش على التقدم في خطة نزع السلاح. هذا الملف شديد الحساسية يأتي في لحظة سياسية وأمنية بالغة التعقيد، أي نقاش داخلي حول السلاح يجري تحت ضغط خارجي مباشر، وتحت ظل طائرات تحلّق وقذائف تسقط.
هنا تتقاطع الملفات، إسرائيل تضرب، الدولة اللبنانية تقول إنها تلتزم، المجتمع الدولي يراقب، وحزب الله وحماس في قلب المعادلة. النتيجة أن لبنان يبدو مرة أخرى ساحة اختبار لتوازنات إقليمية أكبر منه.
بين الميدان والديبلوماسية هدنة على حافة الاختبار
ما جرى لا يمكن قراءته فقط كعملية عسكرية محدودة. نحن أمام اختبار حقيقي لهشاشة الهدنة، ولمدى قدرة "الميكانيزم" الدولي على فرض قواعد اللعبة، إذا كانت إسرائيل تضرب عشية اجتماع اللجنة، فهذا يعني أنها لا ترى في هذه اللجنة رادعًا كافيًا، أو أنها تريد تعديل قواعد الاشتباك من موقع القوة.
في المقابل، يراهن لبنان الرسمي على الدبلوماسية، وعلى إظهار الالتزام، وعلى الدعم الدولي. لكن التاريخ القريب يقول إن الجنوب غالبًا ما يدفع ثمن الرسائل المتبادلة، وأن القرى تكون أول من يلتقط الصدى.

العرب مباشر
الكلمات