بعد إغلاق ملف الجثامين.. اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل يدخل أكثر مراحله تعقيدًا
بعد إغلاق ملف الجثامين.. اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل يدخل أكثر مراحله تعقيدًا
لم يكن إعلان الجيش الإسرائيلي العثور على جثمان آخر جندي إسرائيلي في قطاع غزة مجرد تطور إنساني أو إجرائي، بل تحوّل سريعًا إلى محطة سياسية شديدة الحساسية، أعادت فتح النقاش حول مصير المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وحدود الالتزامات المتبادلة بين إسرائيل وحركة حماس، ففي الوقت الذي سارع فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى توظيف الحدث لتكريس رؤيته للمرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة "نزع سلاح حماس"، وجعلها أولوية تتقدم على إعادة إعمار غزة، خرجت الحركة الفلسطينية لتؤكد أنها أوفت بجميع استحقاقات المرحلة الأولى، وأن الذرائع الإسرائيلية لم تعد قائمة، بين خطاب إسرائيلي يركز على الأمن والتجريد العسكري، وخطاب فلسطيني يطالب بتنفيذ بنود الاتفاق كاملة دون انتقاص، تتكشف ملامح صراع سياسي جديد، لا يدور هذه المرة على خطوط النار، بل على تفسير الاتفاق وشروط الانتقال إلى مرحلته الأكثر تعقيدًا.
نزح سلاح حماس أولًا
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال كلمة ألقاها في الكنيست تزامنًا مع زيارة رسمية لرئيس وزراء ألبانيا إلى تل أبيب، أن إسرائيل لم يعد لديها رهائن في قطاع غزة، في إشارة إلى استعادة جثمان آخر أسير إسرائيلي كان محتجزًا في القطاع.
هذا الإعلان، الذي استند إلى نتائج عمليات بحث ميدانية أجراها الجيش الإسرائيلي، شكّل لحظة مفصلية في مسار اتفاق وقف إطلاق النار، لكنه حمل في طياته أبعادًا سياسية تتجاوز الحدث ذاته.
نتنياهو لم يكتفِ بالإعلان عن استعادة الجثمان، بل سارع إلى رسم ملامح المرحلة التالية من الاتفاق، مؤكدًا أن مصلحة إسرائيل تكمن في تسريع الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي وصفها بوضوح بأنها مرحلة تجريد غزة من السلاح ونزع سلاح حماس، وليس مرحلة إعادة إعمار القطاع.
وبهذا التصريح، وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية تصورًا أحاديًا لمضمون المرحلة المقبلة، يتعارض مع الرؤية الفلسطينية، ويثير تساؤلات حول مدى التزام تل أبيب بالنصوص الأصلية للاتفاق.
عودة الجندي الأخير
في السياق ذاته، أعلن متحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن الجثمان الذي تم التعرف عليه يعود للجندي ران غفيلي، وأن عملية التحقق من الهوية جرت بالتعاون بين المركز الوطني للطب الشرعي والشرطة والحاخامية العسكرية.
وأُبلغت العائلة رسميًا بالنتائج، تمهيدًا لإجراءات الدفن داخل إسرائيل، وبذلك، أُغلق ملف الجثامين الإسرائيلية المحتجزة في غزة، وهو الملف الذي استخدمته إسرائيل، خلال الأسابيع الماضية، كأحد مبرراتها لتأجيل أو تقييد تنفيذ بعض بنود الاتفاق.
معلومات حماس للوسطاء
على الجانب الآخر، سارعت حركة حماس إلى إصدار بيان أكدت فيه أنها بذلت جهودًا كبيرة للبحث عن الجثمان الأخير، وقدّمت للوسطاء المعلومات اللازمة بشكل متواصل، ما أسهم في تمكين الجيش الإسرائيلي من الوصول إليه، واعتبرت الحركة أن هذه الخطوة تأتي في إطار التزامها الكامل باستحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، رغم الظروف الميدانية المعقدة، والدمار الواسع الذي خلّفته العمليات العسكرية في القطاع.
وشددت حماس على أنها أوفت بجميع التزاماتها المتعلقة بملف الأسرى والجثامين بشكل واضح ومسؤول، مؤكدة أن التعاون الذي أبدته لم يكن مناورة سياسية، بل التزامًا وطنيًا وأخلاقيًا بما تم التوافق عليه عبر الوسطاء، وفي هذا الإطار، كانت كتائب القسام قد أعلنت في وقت سابق أنها زوّدت الوسطاء بمعلومات دقيقة حول موقع الجثمان، مطالبة المجتمع الدولي بالضغط على إسرائيل لتنفيذ بقية بنود الاتفاق دون تسويف.
انتقادات حماس لـ"تل أبيب"
في المقابل، وجّهت الحركة انتقادات حادة لإسرائيل، مطالبةً إياها بتنفيذ استحقاقات وقف إطلاق النار كاملة، وعلى رأسها فتح معبر رفح في الاتجاهين دون قيود، والسماح بدخول احتياجات قطاع غزة بالكميات المطلوبة، ورفع أي حظر مفروض على المواد الأساسية. كما دعت إلى انسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، وتسهيل عمل اللجنة الوطنية المكلفة بإدارة شؤون غزة خلال المرحلة الانتقالية.
ورأت حماس أن العثور على جثمان الجندي الإسرائيلي ينهي الذريعة التي استخدمتها تل أبيب لتأخير تنفيذ بنود الاتفاق، معتبرة أن أي استمرار في المماطلة يعكس نية سياسية لإعادة صياغة الاتفاق وفق شروط إسرائيلية جديدة.
كما طالبت الدول الضامنة للاتفاق بتحمّل مسؤولياتها، والضغط الجاد لضمان احترام التعهدات الموقعة.
غير أن الملف لم يخلُ من جدل حقوقي، إذ كشفت تقارير عن أن عمليات البحث الإسرائيلية شملت نبش مئات القبور في شرق مدينة غزة، وهو ما أثار موجة انتقادات واسعة من منظمات حقوقية، رأت في هذه الممارسات انتهاكًا صارخًا لحرمة الموتى والمقابر، وتجاوزًا للقانون الدولي الإنساني.

العرب مباشر
الكلمات