الحرب الهجينة الروسية تضرب أوروبا.. موسكو توسّع جبهة التخريب

الحرب الهجينة الروسية تضرب أوروبا.. موسكو توسّع جبهة التخريب

الحرب الهجينة الروسية تضرب أوروبا.. موسكو توسّع جبهة التخريب
الحرب الروسية الأوكرانية

تتجه الحكومات الأوروبية إلى التحرك بوتيرة أسرع لفرض تكاليف على موسكو، في ظل تصاعد الهجمات والعمليات التخريبية المنسوبة إلى روسيا في أنحاء القارة، والتي تستهدف تقويض الدعم الأوروبي لأوكرانيا وإثارة الفوضى، دون الوصول إلى مستوى يسمح باعتبارها أعمالا حربية تقليدية، وفقا لما نقلته صحيفة "الغارديان" البريطانية.

وتواجه الحكومات الأوروبية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا معضلة متزايدة تتمثل في كيفية الرد على هذه العمليات وفرض ثمن ملموس على موسكو، بينما تظل الهجمات الروسية المشتبه بها في المنطقة الواقعة دون عتبة الحرب المفتوحة، الأمر الذي يجعل الرد عليها أكثر تعقيدا وحساسية.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن حملة التخريب الروسية المشتبه بها في أوروبا تستعيد زخمها مجددا، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تحول الحرب الهجينة إلى أداة مستمرة تستخدمها موسكو للضغط على الدول الأوروبية التي تدعم كييف.

 

تصاعد عمليات التخريب في أنحاء أوروبا

خلال الشهر الماضي وحده، عُثر على طائرة مسيرة محملة بالمتفجرات بجوار طائرة شحن أوكرانية في مطار لايبزيغ بألمانيا، بينما واجهت بولندا أعمالا تخريبية يشتبه في ارتباطها بروسيا، كما وقعت سلسلة من الانفجارات والحرائق غير المفسرة داخل منشآت دفاعية في أنحاء أوروبا، وهي منشآت تقدم إمدادات ومعدات لأوكرانيا.

وتختلف هذه الهجمات من حيث مستوى الطموح والتعقيد التقني، إلا أنها تشترك في سمة أساسية تتمثل في صعوبة إثبات ارتباطها بموسكو بشكل قاطع.

ويرى محللون أن هذا الغموض ليس عرضيا، بل يمثل جزءا من الأسلوب الذي تنظم به هذه العمليات.

وتشير تقديرات إلى أن أجهزة الاستخبارات الروسية ابتعدت تدريجيًا عن الاعتماد بصورة أساسية على عناصر محترفة يتم إرسالها إلى أوروبا لتنفيذ العمليات، واتجهت بدلا من ذلك إلى تجنيد منفذين عن بُعد، من بينهم أشخاص يتم استقطابهم عبر قنوات على تطبيق تليغرام، ثم دفع الأموال لهم بالعملات المشفرة لتنفيذ مهام محددة.

ويتيح هذا الأسلوب لعناصر الاستخبارات الروسية التي توجه العمليات البقاء داخل روسيا بعيدًا عن المخاطر المباشرة التي قد تنتج عن تنفيذ العمليات بواسطة عملاء محترفين على الأراضي الأوروبية.

 

الدنمارك تحذر من تجنيد مواطنين لتنفيذ أعمال تخريب

وبرز هذا النمط في الدنمارك خلال الأسبوع الجاري، بعدما حذرت السلطات من قيام موسكو بتجنيد مواطنين دنماركيين لتنفيذ عمليات تخريب تستهدف شركات دفاعية لها صلات بأوكرانيا.

ومع ذلك، فإن اتساع نطاق هذه الهجمات والسرعة المتزايدة التي أصبحت بها الحكومات الأوروبية مستعدة لتوجيه أصابع الاتهام إلى موسكو، يشيران إلى تغير محتمل في طريقة تعامل أوروبا مع ما تعتبره حملة تخريب روسية متصاعدة.

وكان انفجار طرد حارق في مركز دي إتش إل بمدينة لايبزيغ في يوليو 2024 قد استغرق نحو تسعة أشهر قبل أن يعلن المحققون الألمان وجود صلة ملموسة بين الحادث وجهاز الاستخبارات العسكرية الروسية جي آر يو.

لكن الوضع كان مختلفا هذه المرة، إذ تحركت برلين بوتيرة أسرع بكثير.

فبعد أيام قليلة من حادث الطائرة المسيرة الثاني في مطار لايبزيغ، اتهم مسؤولون ألمان موسكو علنا بالوقوف وراء الهجوم، في مؤشر على ارتفاع مستوى الثقة لدى السلطات الألمانية في قدرتها على تحديد العمليات الروسية، بالتزامن مع تراجع صبر المسؤولين الأوروبيين تجاه ما يرونه حملة تخريب روسية أصبحت أكثر جرأة.

 

برلين تصعّد دبلوماسيا بحذر

ورغم أن ألمانيا أصبحت أسرع في توجيه الاتهام إلى موسكو، فإن العقوبات التي اتخذتها برلين حتى الآن جاءت أكثر حذرًا، بما يعكس رغبتها في تجنب تصعيد مباشر مع روسيا.

وبدا أن رد ألمانيا على محاولة الهجوم بالطائرة المسيرة في لايبزيغ صُمم للحفاظ على مستوى التوتر تحت السيطرة، ليعيد إلى الواجهة سؤالًا أكثر صعوبة يتعلق بما تستطيع أوروبا فعله فعليا إلى جانب العقوبات وعمليات الطرد الدبلوماسي، من دون المخاطرة بالانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع موسكو.

وأعلنت برلين إغلاق مركز ثقافي روسي وقنصلية روسية، وردت موسكو بإغلاق معهد جوته الذي كانت أنشطته قد تقلصت بالفعل بصورة كبيرة في روسيا.

ويعكس هذا التسلسل مستوى من الرد المتبادل المحسوب، لكنه لا يمثل تصعيدا حقيقيا في المواجهة بين الجانبين.

 

أوروبا تفتقر إلى أدوات للرد السري

وتواجه الدول الأوروبية مشكلة إضافية تتمثل في الصلاحيات المحدودة الممنوحة لأجهزتها الاستخباراتية.

فعلى خلاف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، تركز العديد من أجهزة الاستخبارات الأوروبية بصورة أساسية على جمع المعلومات، ولا تتمتع بهامش واسع لتنفيذ عمليات سرية في الخارج.

ويترك ذلك الحكومات الأوروبية أمام خيارات محدودة تقع بين العقوبات الاقتصادية والإجراءات الدبلوماسية من جهة، والتحرك العسكري العلني من جهة أخرى، في ظل غياب مجموعة واسعة من الأدوات التي يمكن استخدامها للرد على العمليات الهجينة بطريقة فعالة من دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

ولمعالجة هذا القصور، طرحت عدة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، من بينها هولندا، خلال الفترة الأخيرة مشاريع قوانين من شأنها توسيع صلاحيات أجهزة الاستخبارات في مجال المراقبة بصورة كبيرة.

 

أوروبا تشدد إجراءاتها ضد أسطول الظل الروسي

ومن المجالات التي بدأت أوروبا تتحرك فيها بصورة أكثر وضوحًا، استعدادها المتزايد لاحتجاز السفن المرتبطة بما يعرف بأسطول الظل الروسي، وهو شبكة من السفن التي ترتبط بروسيا وتستخدم في نقل النفط والسلع وتجاوز بعض القيود والعقوبات الغربية.

وفي أحدث تحرك بهذا الاتجاه، أعلنت السلطات النرويجية الأربعاء احتجاز سفينة روسية في أرخبيل سفالبارد في القطب الشمالي، بناء على طلب من أوكرانيا.

لكن منتقدين يرون أن مثل هذه الإجراءات لا تزال غير كافية لردع موسكو أو دفعها إلى وقف عملياتها الهجينة في أوروبا.

وقال أحد أعضاء البرلمان الأوروبي إن عدم التحرك في كل مرة يمنح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حافزا لمواصلة هذه العمليات.

 

بولندا ودول البلطيق تطالب برد أكثر صرامة

وكانت بولندا ودول البلطيق من أكثر الدول الأوروبية مطالبة باتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه موسكو، حيث حذرت مرارًا من أن الحرب الهجينة الروسية لم تعد مجرد تهديد رقمي أو نشاط محدود على الإنترنت، وإنما أصبحت تشمل عمليات تخريب واغتيال وإحراق متعمد وانتهاكات للمجال الجوي.

وقال وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي إن الحرب الهجينة ليست مجرد إزعاج على الإنترنت، بل تشمل فرق اغتيال ومشعلين للحرائق وتفجير قطارات متحركة، كما حدث في بولندا، فضلا عن انتهاك المجال الجوي باستخدام الطائرات المسيرة والصواريخ الجوالة.

وأكد سيكورسكي ضرورة إقناع بوتين بأن مثل هذه العمليات لن تمر من دون ثمن.

وفي الوقت نفسه، أقر الوزير البولندي، بنبرة ساخرة إلى حد ما، بمحدودية الأدوات المتاحة أمام أوروبا للرد على العمليات الروسية.

وأشار إلى أن بولندا كانت تغلق قنصلية روسية في كل مرة تتهم فيها موسكو بإشعال حريق أو محاولة تفجير قطار متحرك، لكنه أضاف أن بلاده نفدت لديها القنصليات الروسية التي يمكن إغلاقها.

وتعكس هذه التصريحات حجم المعضلة التي تواجهها العواصم الأوروبية، إذ تسعى إلى الرد على ما تعتبره تصعيدًا روسيا في مجال الحرب الهجينة، لكنها في الوقت نفسه تحاول تجنب إجراءات قد تدفع المواجهة إلى مستوى عسكري مباشر.

ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، تبدو العمليات التخريبية والهجمات غير المباشرة مرشحة لأن تصبح جزءًا متزايدًا من المواجهة بين روسيا وأوروبا، في وقت تبحث فيه الحكومات الأوروبية عن وسائل جديدة لرفع تكلفة هذه العمليات على موسكو من دون تجاوز الخط الفاصل بين الردع والتصعيد العسكري.