اقتصاد إيران يصل إلى مرحلة الخطر.. المواطنون يدخرون البيض بدلًا من الأموال
تلقي الأزمة الاقتصادية في إيران بظلالها على الحياة اليومية؛ حيث أدى انهيار العملة والتضخم المتسارع إلى لجوء المواطنين لادخار السلع بدل الأموال.
تدخل إيران مرحلة اقتصادية بالغة الخطورة، بعدما أصبح الاحتفاظ بالسلع الأساسية، مثل البيض، أكثر جدوى من ادخار العملة المحلية، في مؤشر يعكس التراجع الحاد في قيمة التومان وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
تأثير التضخم على سلوك المستهلك الإيراني
وبحسب شبكة "إيران إنترناشونال"، فمع الارتفاع المتسارع في الأسعار، لم تعد الأسر الإيرانية تفكر كثيرًا فيما يمكنها شراؤه خلال العام المقبل أو حتى الشهر القادم، بل بات تركيزها منصبًا على ما يجب شراؤه اليوم قبل أن تفقد أموالها مزيدًا من قيمتها غدًا.
وقال الاقتصادي علي دادباي، خلال مقابلة مع بودكاست عين على إيران التابع لإيران إنترناشيونال: إن المواطن الإيراني العادي أصبح يدرك جيدًا ما يستطيع شراءه اليوم، لكنه قد لا يتمكن من شراء الشيء نفسه بعد 24 ساعة فقط.
وأضاف: أن الاقتصاد الإيراني وصل إلى مرحلة أصبح فيها ادخار البيض أكثر منطقية من الاحتفاظ بالتومان، موضحًا أن المشكلة لا تكمن في السعر بالدولار، بل في سرعة تراجع القوة الشرائية للعملة المحلية.
البيض يتحول إلى مخزن للقيمة بدلًا من العملة
يبلغ سعر البيضة الواحدة حاليًا نحو 25 ألف تومان، لكن ارتفاع سعرها لا يعكس فقط قيمتها المالية، بل يعكس سرعة فقدان العملة الإيرانية لقدرتها على شراء الاحتياجات الأساسية.
فالأموال التي يتم توفيرها اليوم قد تصبح أقل قدرة على شراء السلع خلال أيام قليلة، وهو ما يدفع المواطنين إلى البحث عن بدائل لحماية مدخراتهم.
وأوضح دادباي، أن المعاناة لا تقتصر على الأرقام الاقتصادية، بل تتمثل في حالة الإحباط والغضب والشعور بالعجز عن توفير احتياجات الأسرة أو تحمل تكاليف الرعاية الصحية وشراء الأدوية.
وأشار إلى أن متوسط الدخل الشهري في إيران يقل عن 200 دولار وفق تقديراته، في وقت تستهلك فيه تكاليف السكن حصة متزايدة من دخل الأسر.
تأثير الأزمة الاقتصادية على الأمن الغذائي في إيران
ومع تصاعد الضغوط، بدأت بعض الأسر تفقد القدرة على شراء اللحوم ومصادر البروتين الأخرى، فيما أصبحت الفواكه التالفة، التي كانت في السابق مخصصة للفئات الأكثر فقرًا أو تقدم للمشردين، خيارًا تلجأ إليه أسر عادية لمحاولة تقليل نفقاتها.
وقال دادباي: إن إيران لا تقترب من كارثة اقتصادية، بل إنها تعيش بالفعل داخل هذه الكارثة.
تراجع الطبقة الوسطى يزيد الغضب الشعبي
تدهور أوضاع الطبقة الوسطى الإيرانية ليس تطورًا جديدًا، لكنه تسارع خلال السنوات الأخيرة مع ارتفاع التضخم وتراجع قيمة العملة.
وأصبح الادخار في إيران لا يتعلق ببناء الثروة أو التخطيط للمستقبل، بل بمحاولة الحفاظ على القدرة الشرائية للأموال، لذلك لجأ كثيرون إلى شراء الذهب والعملات الأجنبية لضمان قدرتهم على شراء الاحتياجات الأساسية خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة.
وقال دادباي: إن الاقتصاد الإيراني توقف عن الاستثمار في مستقبله، مشيرًا إلى أن السؤال السياسي الأكبر يتمثل في كيفية تعامل النظام مع تزايد الفقر ونقص السلع وارتفاع البطالة وتراجع الخدمات العامة.
وتبدو السلطات الإيرانية أكثر قلقًا من احتمال تحول الضغوط الاقتصادية إلى اضطرابات اجتماعية، إذ حدد مسؤولون في البلاد ملفات مثل أسعار الوقود والبطالة ومستوى المعيشة باعتبارها عوامل قد تشعل احتجاجات جديدة.
تصعيد أمني وقضائي لمواجهة الاحتجاجات المرتقبة في إيران
كما هدد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي باتخاذ إجراءات أكثر صرامة ضد أي احتجاجات مستقبلية، في حين كشفت تسجيلات صوتية مسربة لقوات الباسيج عن مخاوف داخلية من تصاعد الاضطرابات.
لكن كامران بخاري، خبير التنبؤات الاستراتيجية، حذر من اعتبار التدهور الاقتصادي دليلًا مباشرًا على قرب انهيار سياسي، موضحًا أن المعاناة الاقتصادية وحدها لا تؤدي بالضرورة إلى سقوط الحكومات، خاصة تلك التي تمتلك أجهزة أمنية وقمعية واسعة.
وقال بخاري: إن إيران تشهد انهيارًا اقتصاديًا يحدث أمام العالم في الوقت الحقيقي.
المواطنون يتكيفون مع الأزمة
حتى الآن، ما تزال الأسر الإيرانية تحاول التكيف مع الظروف الجديدة، إذ تستمر المتاجر في العمل، وتواصل سلاسل الإمداد توفير بعض السلع، بينما تقوم العائلات بخفض الإنفاق وتغيير أنماط استهلاكها والتخطيط لفترات قصيرة بدلًا من التفكير في السنوات المقبلة.
لكن الخبراء يؤكدون أن قدرة المواطنين على التكيف ليست بلا حدود.
لا يمكن أكل النقود
رغم الأزمة الاقتصادية، ما تزال الحكومة الإيرانية قادرة على دفع رواتب قواتها، ولو بالقيمة الاسمية فقط.
وتملك إيران اقتصادًا كبيرًا يبلغ عدد سكانه نحو 90 مليون نسمة، إضافة إلى حدود واسعة وشبكات اقتصادية غير رسمية وأسواق سوداء تساعد في استمرار تدفق بعض السلع.
كما تستطيع الحكومة إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وطباعة المزيد من الأموال.
لكنها لا تستطيع طباعة الغذاء أو الأدوية أو الوقود أو السلع التي يفترض أن تشتريها هذه الأموال.
وقال دادباي: إن المشكلة تبدأ عندما لا تكون هناك منتجات كافية في المجتمع، وعندما لا يجد الناس ما يكفي من الخبز والزبد، فإن المال لن يحل الأزمة، لأنه يصبح مجرد ورق لا يمكن أكله.
ويشكل ذلك تحديًا كبيرًا لحكومة تعتمد بدرجة كبيرة على تقديم مزايا مادية للحفاظ على الولاء، إذ إن زيادة الرواتب تفقد تأثيرها عندما يؤدي التضخم إلى تدمير قيمتها الشرائية أو عندما تصبح السلع نفسها غير متوفرة.
أزمة الوقود تكشف تناقضات الاقتصاد الإيراني
يمثل قطاع الوقود أحد أبرز الأمثلة على التناقضات داخل الاقتصاد الإيراني.
فرغم امتلاك إيران احتياطيات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي، واجه المواطنون خلال السنوات الماضية نقصًا في الوقود وطوابير طويلة أمام محطات التعبئة.
ويرجع دادباي هذه الأزمة جزئيًا إلى عقود من دعم أسعار البنزين، وضعف كفاءة السيارات المحلية، وتهريب الوقود، وغياب المنافسة الحقيقية في السوق.
ولسنوات طويلة، كان الاقتصاد الإيراني يمتلك ما يكفي من الموارد للحفاظ على هذا النظام، لكن الوضع تغير مع تراجع الإيرادات وتصاعد الضغوط.
وشبه دادباي الاقتصاد الإيراني بكعكة يتم تقسيمها بين مجموعات مختلفة، موضحًا أن الجميع كان يحصل على جزء منها حتى مع تقلص حجمها، لكنه قال: إن المشكلة الآن هي أن الكعكة لم تعد موجودة.

العرب مباشر
الكلمات